تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢٥٢ - ٩ من فترة الشباب الى مزاولة التجارة
يتجاوز عددهم الواحد و الثمانين، و هذا يعني أنه لم يوفق في كل اثنى عشر عاما إلا لهداية شخص واحد.
إنّ إرادة الصبر، و قوّة التحمّل، و التصبر تظهر لدى الإنسان شيئا فشيئا، فلا بدّ أن تتلاحق حوادث صعبة، و لا بد أن يمرّ المرء بنوائب مزعجة حتى تأنس روحه بالامور الثقيلة، و القضايا الصعبة.
(١) لقد قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم شطرا من حياته قبل البعثة في رعي الغنم في الصحاري و القفار، ليكون بذلك صبورا في تربية الناس الذين سيكلّف بقيادتهم و هدايتهم، و ليستسهل كل صعب في هذا المجال.
إن ادارة المجتمع البشريّ من أصعب الامور التي تواجه القادة، و رجال الاصلاح. و المقدرة على الإدارة هذه لا تسنح و لا تتهيّأ لأحد إلّا بعد مزاولة الامور الصعبة، و ممارسة الأعمال الشاقة، و ربما يكون قيام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) برعي الغنم من هذا الباب، و لهذا جاء في الحديث.
«ما بعث اللّه نبيّا قطّ حتّى يسترعيه الغنم ليعلّمه بذلك رعية النّاس» [١].
لقد قضى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) شطرا من عمره الشريف في هذا المجال، و ينقل كثير من أرباب السير و المؤرخين هذه العبارة عنه (صلّى اللّه عليه و آله):
«ما من نبيّ إلّا و قد رعى الغنم» قيل: و أنت يا رسول اللّه؟
فقال: «أنا رعيتها لأهل مكّة بالقراريط» [٢].
(٢) إن شخصية عظيمة يفترض فيها أن تواجه- في المستقبل- أشخاصا عنودين كأبي جهل و أبي لهب، و أن تصنع ممن انحطت أفكارهم حتى أنهم سجدوا لكل حجر و مدر، أفرادا لا يخضعون لأي شيء سوى ارادة الحق و مشيئته، لا بدّ أن تتسلح قبل ذلك بسلاح الصبر، و تتجهز بأداة التحمل، و تتزود مسبقا بقدرة الاستقامة على طريق الهدف، و هذا لا يكون إلّا بتعويد النفس على هذه
[١] سفينة البحار: مادّة نبأ.
[٢] السيرة النبوية لابن هشام: ج ١ ص ١٦٦.