تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١٨٩ - عبد اللّه والد النبيّ
لقد كان ظهور مثل هذا الفساد الاخلاقي و هذا الموقف المتعصّب من الآخرين أمرا لا بدّ منه بحسب المحاسبات الاجتماعية.
فالبيئة المكيّة لا بد أن تغرق في الفساد و الانحراف حتى يتهيأ العالم لانقلاب أساسيّ و نهضة جذرية.
إن كل ذلك الانفلات الاخلاقي و الترف و الانحراف كان يهيء الارضية و يعدّها لظهور مصلح عالمي، أكثر فاكثر.
و لهذا لم يكن غريبا أن يغضب «أبو سفيان» فرعون مكة و طاغيتها على «ورقة بن نوفل» حكيم العرب الذي تنصر في اخريات حياته و اطلع على ما في الانجيل، كلما تحدّث عن اللّه و الأنبياء و يقول له: «لا حاجة الى مثل هذا الاله و هذا النبي، تكفينا عناية اصنامنا»!!
(١)
عبد اللّه والد النبيّ:
يوم فدى «عبد المطلب» ولده «عبد اللّه» بمائة من الابل نحرها، و أطعم الناس في سبيل اللّه، لم يكن يمض من عمر «عبد اللّه» اكثر من اربعة عشر ربيعا، و قد تسبّبت هذه الواقعة في أن يكتسب «عبد اللّه» شهرة خاصة بين عشيرته مضافا الى شهرته الكبرى بين قريش، و أن يحظى بمكانة كبيرة عند أبيه:
«عبد المطلب» بنحو خاص، لأن ما يكلّف الانسان غاليا، و يتحمل في سبيله عناء اكثر لا بدّ أن يحظى لديه بمكانة اكبر، و يحبّه محبة تفوق المتعارف.
و من هنا كان «عبد اللّه» يتمتع باحترام يفوق الوصف بين أبناء عشيرته و أفراد عائلته و أقربائه.
(٢) ثم إن «عبد اللّه» يوم كان يتوجه برفقة والده إلى المذبح كان يعاني من مشاعر و أحاسيس متناقضة و متضادة، فهو من جانب كان يكنّ لوالده احتراما كبيرا و حبا شديدا، و لهذا لم يكن يجد بدا من طاعته، و الانصياع لمطلبه، بينما كان من جانب آخر يعاني من قلق، و اضطراب شديدين على حياته التي كان يرى كيف تعبث بها يد القدر، و تكاد تقضي عليها كما يقضي الخريف على