تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١٦٦ - كلمة حول المعجزة
فإنّ هذا التحول و التطور و تلك الكشوف أوجدت شكا عجيبا لدى بعض الناس انسحب على جميع المعارف و المعتقدات الدينية الموروثة على وجه الاطلاق!
(١) و السرّ في ذلك هو أن العلماء رأوا بأن الفرضيات القديمة، التي بقيت تسيطر على الأوساط العلمية لمدة طويلة من الزمان، قد اصبحت اليوم عرضة للبطلان و السقوط تحت مطارق التجربة و بواسطة الاختبارات العلميّة، و التحقيقات المختبرية، فلم يعد- بعد هذا- مجال للقول بفرضية الافلاك التسعة التي طلع بها «بطلميوس»، و لا بفرضية مركزية الارض، و لا غيرها من عشرات الفرضيات، فقالوا في أنفسهم: و من أين ترى لا تكون بقية المعلومات و المعارف الدينية من هذا القبيل؟!
و قد تفاقم هذا النوع من الشك في قلوب جماعة من العلماء بالنسبة الى جميع المعتقدات و المعارف الدينية و نمى بشكل قويّ في فترة قصيرة، و عمّ الاوساط العلمية كأيّ مرض!!
(٢) هذا مضافا إلى أنّ محاكم التفتيش و تشدّد الكنيسة و أربابها كان لها النصيب الاكبر في ظهور هذه الحالة بل في نموّها، و اطرادها، لأن الكنيسة كانت تقضي على العلماء الذين نجحوا في اكتشاف القوانين العلمية تحت التعذيب و الاضطهاد القاسي بحجة أنها تخالف الكتاب المقدس، و تعارض مقرّرات الكنيسة!!
و ممّا لا يخفى أنّ مثل هذه الضغوط، و هذا الاضطهاد و التعجرف ما كان ليمرّ من دون حدوث ردة فعل، و قد كان من المتوقع منذ البداية أن العلماء في الغرب لو اتيحت لهم الفرصة لانتقموا من الدين، بسبب سوء تصرف الكنيسة، و سوء معاملتهم لهم خاصة، و للناس عامة.
(٣) و قد حدث هذا فعلا فكلّما تقدم العلم خطوة، و اطّلع العلماء على العلاقات السائدة بين الكائنات الطبيعية، و اكتشفوا المزيد من الحقائق الكونية، و العلل الطبيعية لكثير من الحوادث و الظواهر المادية، و كذا علل الأمراض، قلّ اعتناؤهم بالقضايا الميتافيزيقية، و ما يدور حول المبدأ و المعاد و الافعال الخارقة للعادة