تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١٥٦ - حفر زمزم
يفكرون في كيفية الدفن اذا هلكوا و ماتوا، فاقترح «عبد المطلب» ان يبادر كل واحد إلى حفر حفرته حتى إذا أدركه الموت دفنه الآخرون فيها، فاذا استمر بهم العطش و هلكوا يكون الجميع (ما عدا من بقي منهم على قيد الحياة) قد اقبروا، و لم تغد أبدانهم طعمة للوحوش و الطيور فأيّد الجميع هذا الاقتراح [١]، و احتفر كل واحد منهم حفيرة لنفسه، و جلسوا ينتظرون الموت بوجوه واجمة، و عيون ذابلة، و فجأة صاح عبد المطلب: «و اللّه إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض و نبتغي لأنفسنا لعجز» و حثهم على البحث عن الماء في تلك الصحراء بصورة جماعية عسى ان يجدوا ما ينقذهم من الموت، فركب عبد المطلب و ركب مرافقوه، و اخذوا يبحثون عن الماء يائسين غير مصدّقين، و لم يمض شيء حتى ظهرت لهم عين ماء عذبة انقذتهم من الموت المحتم، و عادوا من حيث جاءوا و هم يقولون لعبد المطلب: «قد و اللّه قضى لك علينا يا عبد المطلب، و اللّه لا نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا و تنازلوا له لينفرد بحفر زمزم و يكون إليه أمره دون منازع، و لا شريك» [٢].
(١) فعمد «عبد المطلب» و ولده الوحيد الحارث الى حفر البئر، و نشأ من ذلك تل هائل من التراب حول البئر، و فجأة عثر «عبد المطلب» على الغزالين المصاغين من الذهب، و السيوف المرصعة المهداة الى الكعبة، فشبّ نزاع آخر بين «قريش» و بين «عبد المطلب» على هذه الاشياء، و اعتبرت «قريش» نفسها شريكة في هذا الكنز، و تقرر ان يلجئوا إلى القرعة لحل هذا المشكلة، فخرجت القرعة باسم «عبد المطلب»، و صار جميع ذلك الكنز إليه دون «قريش»، و لكن عبد المطلب خصّ بتلك الاشياء الكعبة فصنع من السيوف بابا للكعبة، و علق الغزالين الذهبيّين فيها.
[١] و لعلّ احجام الآخرين من الإدلاء بالاقتراح و هو اليأس المطلق من تحصيل الماء.
[٢] تاريخ اليعقوبي: ج ١ ص ٢٠٦، و السيرة النبوية: ج ١ ص ١٤٢- ١٤٧.