تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١٥٥ - حفر زمزم
و اضطرت إلى مغادرة تلك الديار، و ايقن زعيمها «مضاض بن عمرو» بانه سرعان ما يفقد زعامته، و يزول حكمه و سلطانه بفعل هجوم العدو، امر بان يلقى الغزالان الذهبيان، و السيوف الغالية الثمن التي كانت قد اهديت الى الكعبة، في قعر بئر زمزم، ثم يملأ البئر بالتراب و يعفى اثره إعفاء كاملا حتى لا يهتدي خصومه إلى مكانه ابدا، حتى اذا عادت إليه زعامته و عاد الى مكة استخرج ذلك الكنز الدفين، و استفاد منه. ثم نشب القتال بين «جرهم» و «خزاعة» و اضطرت «جرهم» و كثير من ابناء اسماعيل الى مغادرة «مكة المكرمة»، و التوجه إلى ارض اليمن، و لم يرجع أحد منهم الى «مكة» ابدا.
(١) و وقعت زعامة مكة منذ هذا التاريخ بيد «خزاعة» حتى بزغ نجم قريش في سماء مكة بوصول قصيّ بن كلاب (الجدّ الرابع لنبي الإسلام) إلى سدة الزعامة و الرئاسة، ثم بعد مدة انتهى امر الزعامة الى «عبد المطلب» فعزم على أن يحفر بئر «زمزم» من جديد، و لكنه لم يعرف بموقع البئر معرفة كاملة حتى اذا عثر عليه بعد بحث طويل قرّر ان يهيء هو و ولده «حارث» مقدمات ذلك.
و حيث أنه «يوجد في المجتمع دائما من يتحجّج و يجادل- بسبب سلبيته- ليمنع من أي عمل ايجابي مفيد، انبرى منافسوا «عبد المطلب» إلى الاعتراض على قراره هذا و بالتالى التفرد باعادة حفر بئر زمزم، لكيلا يذهب بفخر هذا العمل العظيم، و قالوا له: «إنها بئر أبينا اسماعيل، و ان لنا فيها حقا فاشركنا معك» و لكن «عبد المطلب» رفض هذا الطلب لبعض الاسباب، فقد كان «عبد المطلب» يريد ان يتفرد بحفر زمزم، و يسبّل ماءها ليسقي منها جميع الحجيج دون مانع و لا منازع، و يحول بذلك دون المتاجرة به و لم يكن ليتسنى له ذلك إلّا إذا قام بحفر زمزم بوحده دون مشاركة من قريش.
(٢) و قد آل هذا الأمر الى النزاع الشديد فتقرر أن يتحاكموا الى كاهن من كهنة العرب و عقلائهم و القبول بما يقضي به، فتوجه «عبد المطلب» و منافسوه الى ذلك الكاهن و قطعوا الصحارى القاحلة بين الحجاز و الشام، و في منتصف الطريق أصابهم جهد و عطش شديدان، و لمّا تيقّنوا بالهلاك، و قرب الوفاة اخذوا