تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١٢٥ - حوار الخليل مع عبدة الكواكب
حوار الخليل مع عبدة الكواكب:
(١) ذات ليلة وقف إبراهيم (عليه السلام) عند ابتداء مغيب الشمس يتطلع في السماء- و هو ينوي هداية الناس- و بقي ينظر الى النجوم و الكواكب من أول الغروب من تلك الليلة الى الغروب من الليلة التالية، و خلال هذه الساعات الأربع و العشرين حاور و جادل ثلاث فرق، من عبدة النجوم و ابطل عقيدة كل فرقة منها بأدلة محكمة، و براهين متقنة قوية.
فعند ما أقبل الليل و خيّم الظلام على كل مكان و هو يخفي كل مظاهر الوجود و معالمه في عالم الطبيعة ظهر كوكب «الزهرة» من جانب الافق و هو يتلألأ.
فقال إبراهيم لعباد هذا الكوكب- و هو يتظاهر بموافقتهم جلبا لهم، و مقدمة للدخول معهم في حوار-: «هذا ربي».
و عند ما افل ذلك الكوكب و غاب عن الانظار قال: «لا احب الآفلين».
و بمثل هذا المنطق الجميل أبطل عقيدة عبدة الزهرة، و اظهر خواءها و فسادها.
(٢) ثمّ إنه (عليه السلام) نظر الى كوكب القمر المنير الذي يسحر القلوب بنوره وضوئه، فقال- متظاهرا بموافقة عبدة القمر-: «هذا ربي» ثم ردّ باسلوب منطقي محكم تلك العقيدة أيضا، عند ما امتدت يد القدرة المطلقة و لملمت أشعة القمر من عالم الطبيعة، و عندها اتّخذ ابراهيم (عليه السلام) هيئة الباحث عن الحقيقة و من دون أن يصدم تلك الفرق المشركة و يجرح مشاعرها اذ قال: «لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ» [١] لأن القمر قد أفل أيضا كما أفل سابقه فهو كغيره أسير نظام علويّ لا يتخلف، و ما كان كذلك لا يمكن ان يعدّ ربا يعبد، و يتوجه إليه بالتقديس و التضرع.
(٣) و لما ولّى الليل و أدبر، و اكتسحت الشمس الوضاءة باشعتها حجب
[١] الأنعام: ٧٧.