تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١١ - التاريخ في أعظم حماساته
(١) و إنّ من حسن الحظ أننا لم نكن أول من حطّ قدمه على هذا الكوكب، فهذه الارض بسهولها و شعابها العريضة، و تلك السماء بنجومها و كواكبها الساهرة شهدتا ملايين الملايين من البشر الذين سكنوا الارض من قبلنا، و شهدتا افراحهم و اتراحهم، همومهم و غمومهم، حروبهم، و مصالحاتهم، و كل ما رافق و اكتنف حياتهم من حبّ و بغض و ظلمات و أنوار، و ارتقاء و هبوط، إلى غير ذلك من شئون و شجون الحياة البشرية التي يزخر بها تاريخ الشعوب و الاقوام و الامم.
صحيح أنهم قد اختلفوا مع الكثير من أسرار حياتهم، و غابوا جميعا- أشخاصا و أسرارا- في بحر من النسيان و انسدل عليهم الستار، إلّا أن قسطا ملفتا للنظر و جملة يعتد بها من تلك الامور إما أنها قد دوّنت بأيدي أصحابها، أولا تزال طبقات الارض و بطون التلال تحتفظ بها في ثناياها و طياتها، كما و لا تزال ذات الاطلال الصامتة- في ظاهرها- تشكل أضخم متحف، و اغنى معرض، و اكبر مختبر، يعيد لنا شريط التاريخ و يحكي وقائعه و أحداثه، و يشرح رموزه و أسراره.
إنّ مطالعة تلكم الصفحات من تاريخ الامم الغابرة في الكتب، او في الاطلال العظيمة، أو في ما يعثر عليه المنقّبون في بطون التلال، و ثنايا الارض تعلّمنا امورا كثيرة، و تضيف إلى عمرنا عمرا جديدا و زمنا اضافيا، لا يستهان به و ذلك بما تقدم لنا من الخبرة و العبرة، و الهدى و البصيرة.
أ ليست حصيلة العمر ما هي إلّا ما استفاده المرء من تجارب؟ أ لا يجعل التاريخ خلاصة أفضل التجارب تحت تصرفنا؟
(٢) و لقد اشار الإمام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) في وصية لولده الى هذه الحقيقة حيث قال:
«أي بنيّ! إنّي و إن لم اكن عمّرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم و فكّرت في أخبارهم و سرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأنّي بما انتهى إليّ من امورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم» [١].
[١]. نهج البلاغة، قسم الرسائل. رقم ٣١.