البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٣٢ - الثاني تفسير السيّد الشهيد
«أن الصدفة لا تتكرّر» من القضايا العقلية الأولية التي لا تحتاج إلى استدلال، مع أن الالتزام بكونها من القضايا العقلية الأولية ليس صحيحاً؛ لأنها أيضاً من القضايا التجريبيّة التي تثبت بالتجربة و الاستقراء، فمن خلال استقراء الطبيعة وجدنا عدم تكرّر الصدفة فيها على خط طويل، و إذا تبيّن أن هذه الكبرى التي يعتمد عليها المنطق الأرسطي لتفسير كيفية نشوء اليقين من القضية التجريبيّة و المتواترة قضيّة استقرائية لا عقلية أوّلية، يتضح أن اليقين الحاصل منهما يقين موضوعي استقرائي لا استنباطي، و أن الاعتقاد بصدق القضية المتواترة أو التجريبية يكون حصيلة تراكم القرائن الاحتمالية الكثيرة على مصب واحد، و على أساس حساب الاحتمالات.
توضيح ذلك: لو افترضنا إنّ جماعة كثيرين قد أخبروا بموت زيد- مثلًا- فإن كل واحد منهم يحتمل أن يكون صادقاً في إخباره و يحتمل أن يكون كاذباً، فإخبار كل واحد منهم يشكل قرينة احتمالية على صدق القضيّة و هي بحسب الفرض موت زيد، و يحتمل أيضاً بطلان تلك القرينة على صدق القضيّة؛ لإمكان وجود مصلحة شخصيّة دعت المخبر إلى الكذب، و مع تعدّد و تكرّر ذلك الإخبار بتلك القضية، سوف تتعدّد القرائن الاحتماليّة لصدق تلك القضيّة تبعاً لتعدّد الإخبار بها، و بالتالي يزداد احتمال ثبوتها و يقوى؛ لأنّ احتمال ثبوت القضيّة التي يخبر عنها اثنين مع اختلاف ظروفهم و أحوالهم أقوى من احتمال ثبوتها فيما لو أخبر عنها شخص واحد، و كذلك يقوى ذلك الاحتمال لو أخبر عنها ثلاثة، و هكذا، يشتد و يقوى الاحتمال كلّما ازداد عدد المخبرين، و في المقابل يتناقص احتمال نقيضها، أي: كذب القضيّة حتى يصبح قريباً من الصفر جدّاً، فيزول تلقائياً من الذهن نتيجة لضآلته الشديدة، و إذا أصبح احتمال كذب القضيّة صفراً أو قريباً من الصفر، فهذا يعني أن قيمة احتمال صدق القضيّة ١٠٠% أو قريباً من ذلك، و هذا يعني اليقين بصدق القضيّة المتواترة.
و نفس الحال نقوله بالنسبة للقضيّة التجريبيّة أيضاً، كما لو اقترن ارتفاع الصداع عن شخص مصاب بالصداع مع تناول قرص الأسبرين في مرّات عديدة و لنفترضها عشر مرّات؛ فإن كل اقتران بين هاتين الحادثتين يشكل قرينة احتماليّة على علّية إحداهما