البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٤٥ - تعليق السيّد الشهيد على هذا الوجه
و بهذا المقدار يتم إبطال هذا الوجه، و لسنا بحاجة بعد ذلك لمنع الكبرى و كون الأكملية- على تسليمها- هل توجب الانصراف أو لا؟ و لكن، مع ذلك نقول: لو سلّمنا جدلًا بالصغرى، و أن الاستلزام في فرض الانحصار أقوى منهُ في فرض عدم الانحصار، فلنا أن نمنع الكبرى أيضاً و نقول بأن الأكملية لا توجب الانصراف.
و الوجه في منع الكبرى و أنّ الأكملية لا توجب الانصراف، هو أنّ الانصراف عبارة عن الأنس الذهني بحصة من حصص المعنى، بحيث متى ما اطلق اللفظ انصرف الذهن إلى تلك الحصّة الخاصّة، و هذا إنّما يكون لأجل ثبوت علقة بين اللفظ و ذلك المعنى الخاص، و هو لا ينشأ إلّا من غلبة و كثرة استعمال اللفظ في هذه الحصة خاصّة و إن لم يبلغ مرتبة الوضع التعيّني، كما لو كثر استعمال لفظ العالم في خصوص رجل الدين، أي: في فرد من أفراد العالم خاصّة بحيث أصبح ينصرف منهُ هذا المعنى الخاص حتى لو أطلق بدون قرينة، فمثل هذا الانصراف أمر معقول؛ لأنّ كثرة الاستعمال توجب علقةً و قرناً بين اللفظ و المعنى بحيث يصبح تصور اللفظ موجباً لتصوّر ذلك المعنى الخاص و لو بدون قرينة، أمّا أكملية بعض الأفراد من بعض، فلا توجب علقة بين اللفظ و ذلك البعض خاصّة، و لذلك لو اطلق لفظ الإنسان، فإنه لا ينصرف إلى أكمل أفراده كما هو واضح، بل تبقى علاقة اللفظ بكل فرد من أفراد الإنسان على حد سواء.
فتلّخص مما تقدّم، أن الأكمليّة لا توجب الانصراف، و إن الاستلزام في فرض الانحصار، ليس بأقوى و أكمل منهُ في فرض عدم الانحصار، و بهذا يتم ابطال الوجه الثاني من هذه الوجوه [١].
[١] لكن، يمكن أن يضاف إلى ذلك أيضاً بأن يقال: إنَّهُ حتى على تقدير تسليم الانصراف و لو بدعوى أن الانصراف ما هو إلّا انسباق المعنى الخاص و حصة خاصة من المعنى عند سماع اللفظ، و أنه قد يدعي أحد مثل هذا الانصراف، نقول: حتى على تقدير هذا الانصراف، فالوجه غير تام أيضاً؛ لعدم الدليل على حجيّة مثل هذا الانصراف. و توضيح ذلك: أن الانصراف لهُ منا شيء عديدة:
منها: غلبة الوجود الخارجي، فقد ينصرف الذهن إلى فرد خاص لكثرة وجوده مثلًا.
و منها: غلبة الاستعمال، بحيث يكثر استعمال لفظ معين في حصة من حصص معناه فينصرف الذهن الى تلك الحصة الخاصّة
و منها: كون أحد افراد المعنى أكمل من الآخر بناءً على تسليمه.
و لكن، ليس كل انصراف حجّة؛ لأنّ الانصراف الحجّة هو ما كان صالحاً لتقييد الإطلاق في المطلق، و اكتشاف أن مراد المتكلّم هو الحصّة الخاصّة فيما لو اطلق اللفظ، فما لم يصل إلى مرتبة الظهور العرفي، فلا عبرة بهِ، فمثلًا، لو كثر استعمال لفظ العالم في حصة خاصة من حصصه، كأن يكون رجل الدين مثلًا، و قال المستعمل لهُ في تلك الحصة: «أكرم العالم»، أمكن أن يشكل هذا الانصراف ظهوراً عرفياً كاشفاً عن أن مراد المتكلم من العالم هو الحصّة الخاصّة، أي: رجل الدين، فيكون هذا الظهور حجة و صالحاً لتقييد إطلاق العالم بخصوص العالم الديني، و هذا لا يكون إلّا إذا كان ناشئاً من كثرة الاستعمال، و هذا الانصراف هو الصالح لتقييد اطلاق المطلق، و به يستطيع السامع أن يحتج على المتكلّم بأن كثرة استعمالك للفظ العالم و إرادة ذلك المعنى الخاص منهُ، أوجب أن يكون كلامك الأخير ظاهراً أيضاً في خصوص هذه الحصة الخاصّة، و أمّا الانصراف الناشئ من غلبة الوجود، فلا يصلح لأنّ يقيّد اطلاق المطلق بحيث يكتشف بهِ مراد المتكلّم؛ لأنّه لا علاقة للمتكلّم بحصول مثل هذا الانصراف؛ لأنّه لم يكن ناشئاً من كثرة استعمال ذلك المتكلّم له في الحصّة الخاصة، فلا يوجد في كلام المتكلّم ما يدل على الحصة الخاصة، لا بكلامه؛ لفرضه مطلقاً، و لا بحسب ظهور حاله؛ لأنّه لم يكن ظاهر حاله أنَّهُ كلما استعمل ذلك اللفظ أراد ذلك المعنى المخصوص.
و أمّا الانصراف الناشئ من الأكملية على فرض تسليمه، فحاله حال النوع الثاني إنْ لم يكن أسوأ حالًا منهُ.
إذن، فالوجه الثاني غير تام لأمور ثلاثة:
الأوّل: لا أكملية في المقام.
الثاني: و حتى على تسليم الأكملية فهي لا توجب الانصراف.
الثالث: و حتى على تسليم كونها توجب الانصراف فإنه لا دليل على حجيّة مثل هذا الانصراف.