البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٥١ - الثاني التقابل بين الإطلاق و التقييد الإثباتيين
في مقام الثبوت، و قلنا: إنه من تقابل التناقض و ليس من تقابل التضاد أو الملكة و العدم، و نريد الآن أن نعرف نوع التقابل بينهما في عالم الإثبات و الدلالة، و هل يوجد فيه نفس الخلاف الذي تقدم في عالم الثبوت و اللحاظ أو لا [١]؟ فنقول:
قد اتفق الكل على أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد في عالم الإثبات و الدلالة هو من تقابل الملكة و العدم، فالتقييد عبارة عن ذكر القيد مع الطبيعة، و الإطلاق عبارة عن عدم ذكر القيد معها في مورد يمكن فيه التقييد؛ لأن عدم ذكر القيد لا يكشف دائماً عن كون مراد المتكلم هو المطلق، بل يكشف عن ذلك فيما لو أمكن لهُ التقييد و لم يقيد [٢].
[١] قد يسأل البعض و يقول: ما فائدة البحث عن نوع التقابل بين الإطلاق و التقييد الإثباتيين ما دمنا قد عرفنا نوع التقابل بينهما في عالم الثبوت؟
الجواب: إن معرفة نوع التقابل بين الإطلاق و التقييد في عالم الثبوت، لا يحدد لنا سوى الكيفية التي يمكن أن تلحظ بها الطبيعة من حيث كونها مطلقة أو مقيدة، و التي يتم عن طريقها التوصل إلى معرفة مراد المولى من حيث كونه مطلقاً أو مقيداً، و لكن كل هذا لا يمكن التوصل إليه و اكتشافه إلّا من خلال عالم الدلالة و الإثبات، فهو الذي يتم عن طريقه اكتشاف الكيفية التي لاحظ بها المولى تلك الطبيعة و بالتالي معرفة المراد الجدي له و تشخيصه، وفقاً لأصالة التطابق بين مقام الثبوت و مقام الإثبات، و من هنا، كان لزاماً علينا أن نعرف حقيقة كل من الإطلاق و التقييد الإثباتيين، و نوع التقابل بينهما، و ما ينبغي على المولى إبرازه و إظهاره في كلامه حتى نعرف أن مراده هو المطلق أو المقيّد؛ لأنه لا طريق لنا لاكتشاف مقام الثبوت غير مقام الإثبات
[٢] قد يتوهم هنا و يقال: إنّه إذا كان التقابل بين الإطلاق و التقييد الثبوتيين قد اختلف فيه على أقوال ثلاثة، فكيف اتفقوا على أن التقابل بينهما إثباتاً هو من تقابل الملكة و العدم، مع أن التقييد الاثباتي كاشف عن التقييد الثبوتي، و الإطلاق الإثباتي كاشف عن الإطلاق الثبوتي وفقاً لأصالة التطابق بين مقام الثبوت و مقام الإثبات، أ لا يقتضي هذا أن يقع نفس الخلاف المتقدم في عالم الإثبات و الدلالة أيضاً.
كان الجواب: إنّ مثل ذلك التوهم نشأ من عدم التمييز بين كيفية لحاظ المولى للطبيعة عند ما يريد إصدار حكم عليها و بين ما يريده هو منها عند لحاظها، فليس من الضروري أنه إذا لاحظ الطبيعة مطلقة أن يكون مراده منها كذلك، كما لو فرض عدم إمكان لحاظها مقيدة، فهنا يكون عدم لحاظ القيد مع الطبيعة أمراً قهرياً كما هو واضح، فلا يدل على أن مراده مطلق أيضاً، فلا ملازمة بين كيفية لحاظ الطبيعة و بين ما هو المراد منها، فقد يلحظ الطبيعة مطلقة و لكنه يريد المقيد منها إذا كان هناك مانع من التقييد.