البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٩٢ - القول الثالث دلالة الأمر على الوجوب بالإطلاق
رد الاحتمال الثالث:
و أما عدم إمكان الالتزام بالاحتمال الثالث، فلأنه خروج عن محل الكلام؛ و ذلك لأن الكلام في الوجوب الواقعي الذي يكون محفوظاً بمبادئه حتى مع الجهل و عدم العلم به؛ وفقاً لما تقدّم من أن الأحكام الواقعية مشتركة بين العالم و الجاهل، و ليس الكلام و البحث حول منجزيّة ذلك الوجوب التي تتوقف على العلم به حتى يُقال أن حكم العقل بلزوم الامتثال معلّق على عدم إحراز الترخيص [١].
و بعبارة أخرى: إن الكلام و البحث إنما هو حول كيفية دلالة الأمر على الوجوب بقطع النظر عن علم المكلّف بذلك أو عدم علمه، فلا بدّ من تصوير دلالة الأمر على الوجوب في رتبة سابقة على علم المكلف؛ لأننا بصدد اكتشاف مراد المولى عن طريق خطابه و كلامه، و من المعلوم أنّ مراد المولى من طلبه من حيث كونه وجوباً أو استحباباً و الذي يبرزه بالكلام، لا يتأثر بعلم المكلّف أو جهله، نعم، العلم بكون مراده هذا أو ذاك يتأثر قطعاً بذلك، و من هنا كانت منجّزية هذا الوجوب متوقفة على عدم العلم بورود ترخيص في المخالفة؛ لأنه مع العلم بصدور الترخيص في المخالفة لا يكون الأمر و الطلب منجّزاً على المكلّف، و لا يحكم العقل بلزوم امتثاله، و هذا لا يعني بأي وجه من الوجوه أن الأمر لم يكن ناشئاً من داع لزومي في الواقع و نفس الأمر، إلّا إذا أحرزنا أن الترخيص ترخيص واقعي، و إلّا فلو كان ترخيصاً ظاهرياً، فلا دلالة له
على أن الأمر لم يكن ناشئاً من ملاك لزومي كما هو واضح.
و ببطلان هذه الاحتمالات الثلاثة، يتضح بطلان القول الثاني.
القول الثالث: دلالة الأمر على الوجوب بالإطلاق
فالأمر- مادة و صيغة- يدل على الوجوب- بناءً على هذا القول- بالإطلاق
[١] هذا الإشكال إنما يكون وارداً على المحقق النائيني لو كان يرى أن الوجوب مرتبة غير مرتبة المنجزية و لزوم الانبعاث أو الامتثال، أما إذا كان يرى أن الوجوب ليس هو إلا لزوم الانبعاث عن طلب المولى، كما هو صريح كلامه الذي نقلناه في بعض الحواشي المتقدمة، فمن الطبيعي سوف يكون معلقاً على عدم العلم بالترخيص في المخالفة، و لا يكون ذلك خروجاً عن محل الكلام كما هو واضح.