البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٨ - الاتجاه الثاني التفريق بين الجملتين في المدلول التصوري
عالم الذهن، و نعني بالنسبة في عالم الخارج النسبة و الربط بين شيئين خارجاً، كالربط القائم بين وجود النار و وجود الموقد خارجاً عند ما تكون النار في الموقد، أي: الربط بين وجودين خارجيين، و أما النسبة في عالم الذهن، فتعني الربط بين مفهومين في الذهن، كالربط القائم بين مفهوم النار و مفهوم الموقد، بحيث يأتي إلى الذهن معنى مترابط فيما لو سمعنا قائلًا يقول: «النار في الموقد».
فهل التماميّة و النقصان من شئون النسبة في عالم الخارج، أو أنهما من شئونها في
عالم الذهن؟
لا شكّ و لا إشكال في أن النسبة في الخارج لا توصف بالتمامية و النقصان، بل هي إما موجودة أو غير موجودة، فمثلًا، لو كان عندنا رجل هو «المفيد»، و كان عالماً بالفعل، فنسبة «عالم» إلى «المفيد» ثابتة في الخارج سواء أقلنا: «المفيد عالم»، أم قلنا: «المفيد العالم»، فكلا القولين يدلان على ثبوت العلم للمفيد من دون فرق بينهما أصلًا، فجعل «المفيد» مبتدأ و «عالم» خبراً تارة، أو جعلهما صفة و موصوفاً تارة أخرى، لا يغيّر من الحال شيئاً؛ لأن جعلهما كذلك أمر ذهني لا خارجي.
وعليه، فالتمامية و النقصان من شئون النسبة في عالم الذهن، فتوصف بأنها تامة إذا جاءت إلى الذهن و وجدت بما هي نسبة فعلًا، و هذا يقتضي و يتطلب أن يكون لها طرفان؛ لأن كل نسبة لا تكون نسبة حقيقة إلّا إذا كان لها طرفان متغايران في الذهن؛ فإن كل نسبة متقوّمة ذاتاً بطرفيها كما ذكرنا سابقاً، و لا يمكن تعقل نسبة بدون طرفين، و هذا ما يحصل في الجملة التامة، كقولنا: «المفيد عالم»؛ حيث إن لهذه النسبة طرفين متغايرين، و هما: مفهوم «المفيد»، و مفهوم «العالم»، و حصل بينهما الربط الحقيقي في الذهن، بحيث يجيء إلى الذهن معنى مترابط و صورة ذهنية مترابطة، و هذه النسبة التامة الحاصلة في الذهن مدلولة لهيئة الجملة التامة، و توصف بأنّها ناقصة في الذهن إذا كانت اندماجية، أي: دمج أحد طرفيها بالآخر و تشكّل منهما مفهوم أفرادي واحد، كقولنا: «المفيد العالم»؛ فإنّ المفيد و العالم أصبحا كالكلمة الواحدة، فيكون لهما مفهوم واحد، و لا توجد هنا أي نسبة حقيقة في صقع الذهن