البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٣٥ - الثاني تفسير السيّد الشهيد
احتمال وجود علّة غير منظورة في جميع المرّات إلى الصفر أو إلى ما هو قريب جدّاً من الصفر، فينقلب إلى النقيض، و يحصل التصديق بعلّية الأسبرين لارتفاع الصداع في المثال الذي طرحناه سابقاً.
و من خلال ذلك، يتضح أن الكبرى التي اعتمد عليها المنطق الأرسطي- و التي هي عبارة عن أن الصدفة لا تكون أكثريّة أو لا تتكرّر- هي بنفسها في الحقيقة قضيّة تجريبيّة أيضاً، و مما يدل على ذلك، أن حصول اليقين بالقضيّة المتواترة و التجريبيّة يرتبط و يتأثر سرعةً و بطءاً بكل ما له دخل في تقوية القرائن الاحتمالية نفسها، فكلما كانت القرائن الاحتمالية أقوى و أوضح، كان حصول اليقين منها بدرجة أسرع، فمثلًا، لو أخبرنا خمسة أشخاص بقضيّة ما، و كانت نسبة الصدق في إخبار كل منهم بدرجة ٩٠%، و نسبة الكذب بدرجة ١٠%، أي: ١/ ١٠، كما لو افترضنا إنهم كانوا على درجة عالية من الوثاقة التي يبعد معها احتمال الاستناد إلى مصلحة شخصيّة معيّنة تدعو إلى الإخبار الكاذب، فإنه في هذه الحالة سوف يحصل اليقين بصدق القضية المخبر عنها بدرجة أسرع ممّا لو أخبر خمسة أشخاص آخرين عن نفس القضيّة مع فرض عدم تجاوز نسبة الصدق في إخبار كل واحدٍ منهم درجة ٥٠%، أي: ١/ ٢؛ لأنّه في الحالة الأولى سوف تكون القيمة الاحتمالية لكذبهم جميعاً بنسبة ١/ ١٠٠٠٠٠، الحاصلة من ضرب ١/ ١٠* ١/ ١٠* ١/ ١٠* ١/ ١٠* ١/ ١٠.
و أمّا في الحالة الثانية، فسوف تكون بدرجة ١/ ٣٢، الحاصلة من ضرب ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ٢، و من الواضح أن القيمة الاحتمالية في الأول أقل بكثير من القيمة الاحتمالية في الثاني، ففي الأولى قريبة جدّاً من الصفر، الأمر الذي يؤدي إلى حصول اليقين بالنقيض و هو صدق القضيّة، بخلاف الاحتمال الثاني؛ فإن نسبة ١/ ٣٢ ممّا يحتفظ بها الذهن البشري و لا يتجاوزها، فلا يحصل اليقين بنقيضها؛ لأنّ احتمال كذبهم جميعاً و إن كان ضعيفاً، و لكنه لا زال موجوداً في النفس، فكيف يحصل اليقين بصدق القضيّة.
و كذلك الحال في الاقترانات المتكرّرة بين الحادثتين، كحادثة ارتفاع الصداع