البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٨ - الحالة الثالثة عدم إمكان الأخذ بالتبادر بسهولة في بعض الحالات
في غير ما وضع له.
و حينئذٍ نقول: من المعلوم أنّ مثل هذا التبادر لا يمكن الأخذ به بسهولة؛ لأن لازمه- و هو المجازية- مما يكذّبه الوجدان؛ إذ لا نشعر بثقل المجازية في موارد عدم الانحصار، بل لا نفرق أساساً بين قولنا: «إذا طلعت الشمس فالنهار موجود»، و بين قولنا: «إذا نمت فتوضأ»، مع علمنا بأن الشرط في الجملة الأولى علّة وحيدة منحصرة للجزاء، و في الجملة الثانية ليست علة منحصرة للجزاء؛ إذ من الواضح الثابت فقهياً أن الأسباب الموجبة للوضوء غير منحصرة بالنوم، فنحن- إذن- بين هذا التبادر من جهة، و بين وجدان عدم الإحساس بالمجازية من جهة أخرى، و كل منهما يكذّب الآخر؛ لأنّ عدم المجازيّة في موارد عدم الانحصار، لازمه عدم الوضع للانحصار، كما أنّ تبادر الانحصار من أداة الشرط، لازمه الوضع للانحصار، و المجازية في موارد عدم الانحصار.
فما لم يجد الأصولي حلًا و تخريجاً فنياً لهذا التهافت و التعارض بين التبادر و عدم المجازية المزبورين، لن يمكنه الأخذ بمثل هذا التبادر بسهولة، بل قد يؤول الأمر إلى إنكاره؛ اعتماداً على قرينة عدم المجازية، و بالتالي، إنكار المفهوم للجملة الشرطية إذا لم يوجد طريق آخر لإثبات المفهوم غير التبادر، فلا بد إذن من التوفيق بين هذين الوجدانين: «وجدان التبادر، و وجدان عدم المجازية»، و هذا مما يتطلب بحثاً علمياً دقيقاً، يتم من خلاله التوفيق بين هذين الوجدانين المتهافتين بدواً، و سوف يأتي مزيد كلام عن ذلك في بحث المفاهيم، فانتظر.
هذه بعض الحالات التي تقع فيها البحوث اللغوية موضعاً للبحث العلمي في علم الأصول، و هناك حالات أخرى يجدي فيها البحث التحقيقي، كما سوف يأتي عند البحث عن تحديد تلك الدلالات، و على هذا الأساس، سوف يتناول علم الأصول دراسة الدلالات العامة للدليل الشرعي اللفظي؛ بوصفها عناصر مشتركة في عملية
الاستنباط، و يبحث عنها بحثاً لغوياً أو تحليلياً، و سوف تكون منهجية البحث في الدلالات المشتركة و العامّة للدليل الشرعي اللفظي كالتالي: