البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٢٦ - صدق الامتثال بعد الامتثال
إننا تارة نفترض أن امتثال الأمر علة تامة لحصول الغرض الأقصى، كما لو أمر
المولى عبده بأن يتصدق على زيد، و أخرى لم يكن علة تامة لذلك، كما لو أمر عبده بأن يأتيه بالماء ليشرب أو يتوضأ؛ حيث إنه في المثال الأول يكون امتثال الأمر و هو الإتيان بالتصدق خارجاً علة تامة لحصول غرض المولى، و في المثال الثاني ليس كذلك؛ لأن غرض المولى ليس هو مجرد الإتيان بالماء، بل غرضه الأقصى هو أن يشرب الماء أو أن يتوضأ به، نعم، الإتيان بالماء يكون مقدمة لغرضه كما هو واضح.
ففي الحالة الأولى، يحصل غرض المولى بمجرد تصدق العبد على زيد، و معه لا يبقى مجال للامتثال مرة أخرى؛ لأنه مع حصول الغرض يسقط الأمر، و مع سقوطه لا معنى لتسمية ما أتى به العبد مرة أخرى امتثالًا؛ لأن الامتثال فرع الأمر.
و أما في الحالة الثانية، فيستطيع العبد أن يبدل الامتثال الأول بامتثال آخر؛ ما دام الغرض الأقصى للمولى و هو الشرب أو الوضوء لم يحصل بعد، فبإمكانه- إذن- أن يأتي له بماء آخر، و يسمى هذا امتثالًا لأمره الأول؛ لأن الأمر لم يسقط بالماء الأول الذي جاء به العبد، ما دام المولى لم يشرب الماء أو يتوضأ به بعد [١].
[١] (١) و يمكن المناقشة في ذلك بأن يقال:
إن عدم صدق الامتثال بعد الامتثال، ليس إلا من باب أن الامتثال موجب لسقوط الأمر، و معه لا يبقى مجال لتسمية الفرد الآخر امتثالًا، و من الواضح أن الامتثال عبارة عن مطابقة المأتي به للمأمور به، و بناءً على ذلك، لا يبقى فرق بين الحالتين في المثالين المتقدمين؛ و ذلك لأن المأمور به في المثال الأول هو التصدق و قد حصل بحسب الفرض، و أدّى ذلك إلى سقوط الأمر، و المأمور به في الحالة الثانية عبارة عن الإتيان بالماء فقط، و أما شرب المولى أو وضوؤه بذلك الماء فليس داخلًا في المأمور به؛ لأنه مرتبط بنفس المولى و اختياره، و لا مدخلية للعبد في ذلك أصلًا، بل هو خارج عن قدرة العبد و اختياره كما هو معلوم، فلا يمكن أن يكون داخلًا في دائرة المأمور به؛ لأن كل تكليف مشروط بالقدرة على متعلقه، فالمأمور به ليس هو إلا الإتيان بالماء و قد حصل أيضاً بحسب الفرض، الأمر الذي يؤدي إلى سقوط الأمر كالحالة الأولى تماماً، و معه، لا يبقى مجال لتسمية الفرد الآخر امتثالًا.
و بعبارة أخرى: إن وجوب امتثال العبد لأمر المولى، إنما هو لأجل اشتغال ذمته بما أمره به المولى، و هذا يقتضي أن يكون المأمور به تحت اختيار العبد و في حيّز قدرته، و ليس هو إلا الإتيان بالماء، فإذا أتى به العبد، فقد فرغت ذمته و سقط الأمر، أما بالنسبة إلى كون غرض المولى من الإتيان بالماء هو الشرب أو الوضوء، فهذا خارج عن الأمر أصلًا؛ لأنه خارج عن اختيار المكلف و قدرته، بل هذا الأمر يعود إلى المولى نفسه، و لا يمكن أن يتعلق به الأمر؛ لأنه إن شاء شرب الماء أو توضأ به، و إن شاء ترك، و بناءً على ذلك، لم يبق فرق بين الحالتين، فيكون الإتيان بمتعلق الأمر في كل منهما موجب لصدق الامتثال، و بالتالي سقوط الأمر بذلك، و معه، لا يبقى مجال للامتثال مرة أخرى، و منه يظهر عدم صحة التفصيل المتقدم لصاحب الكفاية.
دفع توهّم:
و ما توهم من دعوى وقوع الامتثال بعد الامتثال في الفقه في موردين:
الأول: صحة إعادة صلاة الفريضة بل استحبابها جماعةً لمن صلاها فرادى.
الثاني: استحباب إعادة صلاة الآيات ما دام وقت الآية باقياً.
فإن مثل هذا التوهم باطل؛ و ذلك لأن الموردين المتقدمين ليسا من الامتثال بعد الامتثال، بل هو امتثال لأمر آخر، و هو عبارة عن الأمر الاستحبابي المتعلق بإعادة صلاة الفريضة جماعةً، و الأمر الاستحبابي المتعلق بإعادة صلاة الآيات ما دام وقت الآية باقياً.
و هذان الموردان خارجان عمّا نحن بصدده؛ فإنه صدق امتثال نفس الأمر الذي افترضنا امتثاله، لا أن يكون امتثالًا لأمر جديد؛ فإن هذا مما لا إشكال فيه أصلًا.