البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٢٤ - الصحيح عدم دلالة الأمر لا على المرة و لا على التكرار
على التكرار، فلا يُستفاد منه لزوم الإتيان بفرد و وجود واحد للمتعلّق، و لا لزوم الإتيان بأفراد و وجودات عديدة متعاقبة للمتعلق.
و الوجه في ذلك: أن الأمر كقوله: «تصدّق» باعتبار أنه صادر من المولى الذي يحكم العقل بوجوب طاعته و لزوم امتثال أوامره، يقتضي أن يأتي المكلف بمتعلقه و هو «التصدّق» في المثال المتقدّم، و حيث إن متعلّق الأمر هو الطبيعة، أي: طبيعة التصدّق من دون تقييدها بالمرّة- أي: بالوجود الواحد- و لا بالوجود المتعدّد [١]، فبإجراء مقدّمات الحكمة فيها، يثبت إطلاقها البدلي، فتصدق هذه الطبيعة على ما يأتي به المكلف من وجود لها، سواء أ حقّقه في فرد واحد؛ بأن تصدّق على فقير واحد أو فقيرين أو أكثر في زمان واحد، أم كان ذلك ضمن أفراد كثيرة؛ بأن تصدّق على الفقير الأول، ثمَّ الثاني، ثم الثالث، و هذا يعني أن صدق امتثال الأمر يكفي فيه الإتيان بوجود واحد للمتعلّق، و لا يتوقف على الإتيان بوجودات عديدة متعاقبة، نعم، الحالة الأخيرة فيما إذا تصدّق على أكثر من فقير واحد في أزمنة متعاقبة، يتحقق الامتثال فيها بالفرد الأول دون غيره، و لا يُعد الثاني و ما بعده امتثالا؛ و ذلك لعدم إمكان صدق الامتثال بعد الامتثال؛ لأنه في الفرد الأول قد تحقّق غرض المولى، و بالتالي يسقط الأمر؛ لأن الغرض من الأمر امتثاله، فإذا تحقّق الامتثال سقط الأمر، و مع عدم وجود الأمر لا يسمّى الفرد الثاني الذي أتى به المكلّف في الآن الثاني امتثالًا، فلو أمرنا المولى بأن نأتيه بالماء- مثلًا-، و كان غرضه من ذلك هو الارتواء من العطش، فحينئذ، لو أتيناه بالماء فقد تحقّق غرضه و سقط الأمر لأجل ذلك، فيكون
[١] اعلم أن مراد المولى و مطلوبه لا يخلو من أحد وجوه ثلاثة:
الأول: صرف وجود الطبيعة.
الثاني: وجود الطبيعة بقيد الوحدة، أي: بشرط لا من ناحية الزيادة.
الثالث: وجود متعدّد للطبيعة.
و لا شك أن الوجهين الثاني و الثالث يتضمنان مئونة ثبوتيّة تحتاج في مقام التعبير عنها إلى مئونة إثباتيّة؛ و هي تقييده بالوجود الواحد أو بالوجود المتعدّد، و هذا ما يمكن نفيه بالإطلاق و مقدّمات الحكمة، و يثبت أن المطلوب صرف وجود الطبيعة، و من المعلوم أن صرف وجود الطبيعة يحصل بأوّل وجود لها، فيتحقق الامتثال بالفرد الأول من الطبيعة.