دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٨٣ - و منها آية الكتمان
و يرد عليها ما ذكرنا من الايرادين الأوّلين في آية النّفر، من سكوتها و عدم التعرّض فيها لوجوب القبول و إن لم يحصل العلم عقيب الإظهار، أو اختصاص وجوب القبول المستفاد منها بالأمر الذي يحرم كتمانه و يجب إظهاره، فإنّ من أمر غيره باظهار الحقّ للناس ليس مقصوده إلّا عمل الناس بالحقّ، و لا يريد بمثل هذا الخطاب تأسيس حجّيّة قول المظهر تعبّدا و وجوب العمل بقوله و إن لم يطابق الحق.
إنّ تقريب هذه الآية على حجّيّة خبر الواحد يكون نظير ما ذكر في آية النّفر، حيث قلنا هناك: بأن وجوب الإنذار كان مستلزما لوجوب الحذر و العمل بقول المنذر مطلقا، فنقول في هذه الآية: إنّ حرمة الكتمان تستلزم وجوب القبول عند الإظهار مطلقا، فالآية تدل على حرمة كتمان البيّنات و الهدى بعد معرفتها.
و من جملة البيّنات و الهدى في الأخبار الصادرة عن الأئمة :، إذ المراد من الهدى كلّ ما يوجب الهداية، و الأخبار الصادرة عنهم : تكون موجبة للهداية، و كذا تكون الأخبار شواهد على تكاليف العباد، فحينئذ يحرم على الرواة كتمان الروايات بعد سماعها عن الأئمة :، فيجب القبول و العمل بها مطلقا عند إظهارهم بالنقل.
(و يرد عليها ما ذكرنا من الإيرادين الأوّلين في آية النّفر، من سكوتها و عدم التعرّض فيها لوجوب القبول و إن لم يحصل العلم عقيب الإظهار، أو اختصاص وجوب القبول ... إلى آخره).
و يمكن الإيراد على هذه الآية من وجوه:
الأول: إنّ الآية ساكتة عن وجوب القبول مطلقا و إن لم يحصل العلم من الإظهار، فيمكن حملها على وجوب القبول عند حصول العلم من الإظهار.
و يمكن الجواب عن هذا الإيراد بما تقدم في آية النفر من أنّ الآية مطلقة، و مقتضى الإطلاق هو وجوب القبول مطلقا، فيؤخذ به ما لم يدل دليل على التقييد بصورة حصول العلم.
و تقريب الإيراد الثاني: إنّ الآية تدل على وجوب ما يجب اظهاره و هو الحق، و معلوم أنّ قبول ما هو الحق في الواقع يتوقف على إحراز الحقيّة و العلم بها، و هذا يوجب اختصاص وجوب القبول بما حصل العلم من الإظهار بكون ما أظهره حقا.