دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٧٢ - الوجه الأوّل أن البراءة لا تحصل إلّا بالاحتياط
و ثانيا: سلّمنا التكليف الفعلي بالمحرّمات الواقعيّة، إلّا إنّ من المقرّر في الشبهة المحصورة- كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى- أنّه إذا ثبت في المشتبهات المحصورة وجوب الاجتناب عن جملة منها لدليل آخر غير التكليف المتعلّق بالمعلوم الإجمالي اقتصر في الاجتناب عن ذلك القدر، لاحتمال كون المعلوم الإجمالي هو هذا المقدار المعلوم حرمته تفصيلا،
و بعبارة اخرى: إن العلم الإجمالي إذا كان منجّزا للتكليف المعلوم إجمالا لكان علّة تامة بالنسبة إلى حرمة مخالفته القطعيّة، إلّا إنّه بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعيّة يكون من قبيل المقتضي، و حينئذ لا مانع للشارع من أن يجعل بعض أطراف العلم الإجمالي- و هو الذي دلّ دليل ظنّي على حرمته- بدلا عن الواقع، فيكون مؤدّى الأمارة بعد كونها حجّة في مورد العلم الإجمالي بدلا عن الواقع، بحيث إذا تركه المكلّف فيما إذا قامت الأمارة على تحريمه يسقط التكليف الواقعي عنه، فلا يجب عليه الاحتياط في مورد عدم الأمارة.
هذا تمام الكلام في الجواب الأوّل، إلّا إنّ هذا الجواب لمّا كان غير خال عن الإشكال- لأنّ حجيّة الأمارات لمصلحة التسهيل و غيرها لا تقتضي إلّا مجرّد ترتيب آثار الواقع على ما قامت عليه الأمارة، و هذا لا يكون مستلزما لجعل البدل، و لا منافيا لوجوب الاحتياط مراعاة للعلم الإجمالي- أجاب ثانيا بقوله:
(و ثانيا: سلّمنا التكليف الفعلي بالمحرّمات الواقعيّة ... إلى آخره).
أي: لو سلّمنا أنّ التكليف الفعلي بالمحرّمات الواقعيّة باق و لم يسقط بالعمل على طبق الأمارات، إذ لم يجعل الشارع مؤدّياتها بدلا عن الواقع، إلّا إنّ العلم الإجمالي في المقام لا يوجب تنجّز التكليف المعلوم إجمالا؛ و ذلك لأنّ تنجّز التكليف بالعلم الإجمالي مشروط بأن يكون التكليف في أطرافه منجّزا به على كل تقدير، و ذلك بأن لا يكون التكليف في بعض أطرافه منجّزا من غير جهة هذا العلم الإجمالي بعلم تفصيلي أو بدليل معتبر شرعا.
و مثال الأوّل: ما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين، فيجب الاجتناب عنهما معا.
و مثال الثاني: ما إذا علم تفصيلا بنجاسة أحدهما المعيّن، ثمّ حصل العلم الإجمالي بوقوع قطرة من البول في أحدهما.
و مثال الثالث: ما إذا قامت البيّنة على نجاسة أحدهما المعيّن، ثمّ حصل العلم الإجمالي