دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٩ - منها آية النبأ،
على الشهادة و الفتوى.
و فيه- مضافا إلى كونه خلاف ظاهر لفظ الجهالة-: إنّ الإقدام على مقتضى قول الوليد
للواقع ... إلى آخره) و الغرض من هذا الكلام هو دفع الإشكال على المفهوم بعموم التعليل بوجه آخر، فيكون جوابا ثانيا عن الإشكال المذكور.
و حاصله: إنّ الجهالة المذكورة في الآية و إن كانت ظاهرة بمعنى عدم العلم؛ لأنّها من الجهل المقابل للعلم إلّا أنّها في الآية لم تكن بمعنى الجهل، بل تكون بمعنى السفاهة، و هي فعل ما لا يجوز فعله عند العقلاء.
فيرجع مفاد الآية إلى أنّ العمل بخبر الفاسق من دون تبيّن يكون من أفعال السفهاء، فيجب التبيّن فيه لئلّا يكون العمل به عن سفاهة، فيكون المفهوم: إنّ العمل بخبر العادل لا يعدّ عند العقلاء عملا عن السفاهة و إن لم يتبيّن أصلا، فيكون حجّة من دون التبيّن بمقتضى المفهوم.
و الشاهد على كون المراد من الجهالة هو السفاهة- أولا- هو قوله تعالى: فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ؛ لأنّ الوقوع في الندم يكون في العمل عن سفاهة لا في العمل عن جهل، فإنّ أعمال الناس يوميا تكون أكثرها عن جهل و لا ندامة فيها.
فالتعليل لا يشمل خبر العادل؛ لأنّ العمل بخبر العادل لا يكون سفاهة فيرتفع التعارض و التنافي بين المفهوم و التعليل.
و الشاهد الثاني على أنّ المراد من الجهالة هو السفاهة، ما أشار إليه بقوله:
(و لو كان المراد الغلط في الاعتقاد لما جاز الاعتماد على الشهادة و الفتوى)، أي: لو كان المراد من الجهالة عدم العلم لكان مقتضى التعليل هو المنع عن العمل بكل ما لا يفيد العلم.
فحينئذ لا يجوز الاعتماد على الشهادة و الفتوى؛ لأنّ الشهادة لا تفيد العلم للحاكم، كما أنّ الفتوى لا توجب العلم للمقلّد، فيلزم كونهما غير حجّتين مع إنّهما حجّتان إجماعا، فنكشف أنّ الجهالة تكون بمعنى السفاهة، لأنّ العمل بهما لا يكون سفاهة، فيكون كل واحدة منهما حجّة.
نعم، يكون المراد من التبيّن ما هو الظاهر فيه من تحصيل العلم.