دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٢٦ - (فمن الكتاب آيات،
و فيه ما تقدّم في الآية السابقة، مع أنّ دلالتها أضعف من حيث إنّ توقّف الخذلان على البيان غير ظاهر الاستلزام للمطلب، اللهمّ إلّا بالفحوى.
و منها: قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [١].
عن تركها، و المحرمات التي يجب الاجتناب عن فعلها.
إذا عرفت هذه الامور يتضح لك تقريب الاستدلال بها على البراءة حيث يكون مفادها- حينئذ- ما كان اللّه ليعذّب قوما إلّا بعد بيان ما يجب عليهم من الأفعال و التروك و بعد إتمام الحجّة عليهم بإيصال التكاليف إليهم.
فلا معصية و لا مخالفة في ارتكاب ما يحتمل تحريمه واقعا، و لا في ترك ما يحتمل وجوبه كذلك عند عدم وصل البيان من الشارع، و على هذا تدل الآية على البراءة في مورد الجهل بالتكليف و عدم البيان.
(و فيه ما تقدم في الآية السابقة)
أي: و يرد في الاستدلال بهذه الآية ما ورد في الاستدلال بالآية السابقة حيث أخبر اللّه تعالى بعدم وقوع العذاب الدنيوي و هو الخذلان قبل البيان، فيكون ظاهر الآية ما كان الخذلان من اللّه تعالى في الدنيا على الامم السابقة، إلّا بعد بيان ما كان يجب أن يتركوه و ما كان يجب أن يفعلوه، فارتكبوا ما يجب تركه، و تركوا ما يجب فعله، فخذلهم اللّه بعد المعصية و المخالفة، فالآية- حينئذ- أجنبية عن البراءة، لأنّها تدل على انتفاء الخذلان عند انتفاء البيان، و لا تدل على انتفاء التكليف عند انتفاء البيان، إلّا أن يقال: إنّ الآية و إن لم تدل على البراءة بالصراحة، إلّا إنّها تدل عليها بالأولويّة، و ذلك لأنّه إذا توقف الخذلان- و هو عذاب دنيوي بمعنى سلب التوفيق- على البيان، لكان العذاب الاخروي متوقفا على البيان بطريق أولى؛ لكونه أشد من العذاب الدنيوي.
و قد أشار المصنّف (قدّس سرّه) إلى هذا بقوله: اللّهمّ إلّا بالفحوى.
(و منها: قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ...).
و الاستدلال بهذه الآية يتوقف على أن يكون المراد بالهلاكة مطلق الضلالة و الشقاوة،
[١] الأنفال: ٤٢.