دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٩٠ - مقدّمة
و اعلم أنّ هذه الامور الأربعة لم ترد في لسان آية أو رواية أو معقد إجماع و إنّما هي مجرد اصطلاحات دائرة في ألسنة الاصوليين، و لذلك لا بدّ من بيان معانيها فنقول:
إن الحكومة: عبارة عن كون دليل ناظرا إلى دليل آخر، و مفسّرا لمضمونه سواء كان ناظرا إلى عقد وضعه- أي: موضوعه- أو إلى عقد حمله- أي: محموله- و سواء كان مضيّقا لدائرة دليل المحكوم، أو موسّعا لها، و يسمّى الدليل الناظر حاكما، و المنظور إليه محكوما.
فصور الحكومة باعتبار عقد الوضع و الحمل و التضييق و التوسيع أربعة، و لا بدّ من ذكر مثال لكل قسم:
الأول: مثال ما إذا كان الدليل الحاكم مضيّقا لدائرة الدليل المحكوم هو: ما ورد في بيان أحكام الشك في الصلاة من قوله ٧: (إذا شككت بين الثلاث و الأربع فابن على الأربع، ثمّ يأتي بصلاة الاحتياط) [١] ثم ورد: (لا شك للمأموم مع حفظ الإمام) [٢] فحينئذ إذا شك المأموم بين الثلاث و الأربع، و كان الإمام حافظا للثلاث كان هذا الدليل الثاني حاكما على الدليل الأول حيث يكون الدليل الحاكم- و هو الدليل الثاني- نافيا لموضوع الدليل المحكوم تعبّدا لا وجدانا، و ذلك لأنّه ينفي حكم الشك عن شك المأموم بلسان نفي الموضوع، و يبين أنّه ليس له البناء على الأكثر و هو الأربع، ثمّ الإتيان بصلاة الاحتياط، فيكون الدليل الحاكم في هذا المثال مضيّقا لدائرة الدليل المحكوم- كما لا يخفى- حيث ينحصر موضوع الدليل الأول المحكوم بما إذا لم يكن الشك مع حفظ الإمام.
و الثاني: مثال ما إذا كان الدليل الحاكم موسّعا لدائرة الدليل المحكوم، كقوله ٧: (لا صلاة إلّا بطهور) [٣] الظاهر في الطهارة الواقعية، ثمّ ورد ما يدل على كفاية الطهارة الظاهرية فيها، فكان الدليل الثاني حاكما على الأول بنحو التوسعة، كما لا يخفى.
و الثالث: مثال ما إذا كان الدليل الحاكم ناظرا إلى محمول الدليل المحكوم بنحو التضييق، فهو كقول المولى لعبده أولا: إكرام العلماء واجب، ثمّ قال ثانيا: كل ما ينفعهم
[١] انظر الوسائل ٨: ٢١٦، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب ١٠، ح ١.
[٢] انظر الوسائل ٨: ٢٤٢، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب ٢٤، ح ٨.
[٣] التهذيب ١: ٥٠/ ١٤٤. الاستبصار ١: ٥٥/ ١٦٠. الوسائل ١: ٣٦٥، أبواب الوضوء، ب ١، ح ١.