دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٠٠ - دليل العقل على البراءة
ثمّ إنّه ذكر السيّد أبو المكارم (قدّس سرّه) في الغنية: «إن التكليف بما لا طريق إلى العلم به تكليف بما لا يطاق». و تبعه بعض من تأخّر عنه فاستدلّ به في مسألة البراءة.
و الظاهر أنّ المراد به ما لا يطاق الامتثال به و إتيانه بقصد الطاعة، كما صرّح به جماعة
و تقدّم أنّ الشبهة من جهة احتمال الضرر موضوعيّة لا يجب الاحتياط فيها بالاتفاق، فلا يكون دفع الضرر المحتمل واجبا عند الأخباريين، كما أنّه لم يكن واجبا عند الاصوليين، و مع ذلك فلو ثبت وجوب دفع الضرر المحتمل بأن يقال: إن العقل يحكم مستقلا بوجوب دفع الضرر المحتمل كالضرر المقطوع، كما أنّه يحكم بوجوب دفع العقاب المحتمل كالمقطوع لكان هذا الإشكال مشترك الورود.
و يرد على الأخباريين- أيضا- كما يرد على الاصوليين (فلا بدّ على كلا القولين) إمّا منع وجوب دفع الضرر المحتمل عقلا، و إمّا من دعوى ترخيص الشارع و إذنه بارتكاب الضرر المحتمل فيما شكّ في كونه من مصاديق الضرر، بمعنى: إنّ حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل و إن كان ثابتا، إلّا إنّ الشارع قد أذن بارتكاب الشبهات الموضوعيّة مع احتمال الضرر فيها، فينكشف من إذن الشارع أنّ الضرر يتدارك بمصلحة في الترخيص، و وجوب دفع الضرر المحتمل بحكم العقل يختصّ بما لا يتدارك، فتأمّل جيدا.
(ثمّ إنّه ذكر السيّد أبو المكارم (قدّس سرّه) في الغنية: إن التكليف بما لا طريق إلى العلم به تكليف بما لا يطاق ... إلى آخره).
ذكر السيّد في كتاب الغنية دليلا عقليا آخر على البراءة، و تبعه بعض من تأخّر عنه كالمحقّق و غيره، و تقريب ما ذكره من الدليل العقلي الآخر يحتاج إلى مقدمة و هي:
إن التكليف بما لا يطاق قبيح عقلا، فلا يجوز صدوره عن عاقل فضلا عن الشارع الحكيم، و التكليف بما لا طريق إلى العلم به للمكلف تكليف بما لا يطاق فلا يجوز عقلا.
إذا عرفت هذه المقدمة، فنقول: إن حرمة شرب التتن ممّا لا طريق إلى العلم به للمكلّف؛ لأنّ المفروض هو عدم الدليل الدال على الحرمة، فيكون التكليف بالاجتناب عنه تكليفا بما لا يطاق، و هو لا يجوز عقلا، فتكون النتيجة- حينئذ- إباحة شرب التتن.
قوله: (و الظاهر أنّ المراد به ما لا يطاق الامتثال به و إتيانه بقصد الطاعة).
دفع لما يقال من أن الاجتناب عن شرب التتن مقدور للجاهل، فلا يلزم من وجوب