دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٣٠ - (فمن الكتاب آيات،
و لعلّ هذه الآية أظهر من سابقتها، لأنّ السابقة دلّت على أنه لا يجوز الحكم بحرمة ما لم يوجد تحريمه في ما أوحى اللّه سبحانه إلى النبيّ ٦، و هذه تدلّ على أنّه لا يجوز التزام ترك الفعل مع عدم وجوده فيما فصّل و إن لم يحكم بحرمته فيبطل وجوب الاحتياط أيضا، إلّا إنّ دلالتها موهونة من جهة اخرى، و هي أنّ ظاهر الموصول العموم، فالتوبيخ على الالتزام بترك الشيء مع تفصيل جميع المحرّمات الواقعيّة و عدم كون المتروك منها، و لا ريب أنّ اللازم من ذلك العلم بعدم كون المتروك محرّما واقعيّا، فالتوبيخ في محلّه.
و الإنصاف ما ذكرنا، من أنّ الآيات المذكورة لا تنهض على إبطال القول بوجوب الاحتياط، لأنّ غاية مدلول الدالّ منها هو عدم التكليف في ما لم يعلم خصوصا أو عموما بالعقل أو النقل. و هذا ممّا لا نزاع فيه لأحد. و إنّما أوجب الاحتياط من أوجبه بزعم قيام
احتمال حرمته، فتدل الآية على حليّة مشكوك الحرمة مع عدم دليل على الحرمة.
(و لعلّ هذه الآية أظهر من سابقتها ... إلى آخره).
و وجه أظهريتها عن سابقتها هو أنّ الآية السابقة تدل على عدم تحريم شيء ما لم يوجد تحريمه في ما أوحى اللّه إلى نبيّه ٦.
و أمّا إثبات الإباحة- كما هو المقصود في المقام- فلا دلالة لها عليها، و هذا بخلاف هذه الآية، فإنّها تدل على الإباحة زائدا على عدم جواز الحكم بالحرمة، إذ مفاد قوله تعالى:
وَ ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا هو الأمر بالأكل، و هو ينافي وجوب الاحتياط بالترك.
(إلّا إنّ دلالتها موهونة من جهة اخرى).
أي: إنّ دلالة هذه الآية موهونة من جهة اخرى، و هي: إنّ عدم كون الشيء ممّا فصّل تحريمه يوجب العلم بعدم الحرمة، لأنّ الموصول و هو (ما) في قوله: ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ظاهر في العموم، فيكون مفاد الآية حينئذ: إنّ اللّه تعالى قد فصّل جميع المحرّمات الواقعية، فإذا لم يكن محتمل الحرمة منها يحصل العلم بعدم كونه محرّما في الواقع فلا تدل على الإباحة الظاهرية كما هو المقصود.
(و الإنصاف ما ذكرنا، من أنّ الآيات المذكورة لا تنهض على إبطال القول بوجوب الاحتياط ... إلى آخره).
و لعلّ مراده بقوله ما ذكرنا هو ما تقدم منه حيث قال: و يرد على الكلّ.