منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٦١ - (حرف الميم)
عذّب».
الخافض، أي: من ضويق في حسابه بحيث سئل عن كل شيء؛ فاستقصي في حسابه حتّى لم يترك منه شيء من الكبائر و لا من الصّغائر إلّا و أوخذ به (عذّب») بضمّ أوّله و كسر الذّال المعجمة- أي: تكون تلك المضايقة عذابا، لما فيها من التّوبيخ، أو إنها سبب يفضي إلى العذاب، لأنّ التّقصير غالب على العباد، فمن استقصي عليه و لم يسامح هلك و عذب؛ أي: و من لم يناقش الحساب لا يعذب، بل يحاسب حسابا يسيرا، أو لا يحاسب أصلا.
قال الحكيم التّرمذي: يحاسب المؤمن في القبر ليكون أهون عليه في الموقف فيمحّص في البرزخ؛ فيخرج و قد اقتصّ منه. انتهى مناوي و حفني على «الجامع».
و الحديث أخرجه البخاري و مسلم، و أبو داود و التّرمذي؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) و تمامه: قالت عائشة: فقلت أ ليس يقول اللّه فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) [الانشقاق]؛ أي: سهلا هيّنا بأن يجازى على الحسنات الّتي صدرت منه في حياته، و يتجاوز عن سيئاته!؟ قال: «ذلك- بكسر الكاف- العرض»- بفتح العين المهملة و سكون الرّاء- أي: عرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منّة اللّه تعالى عليه في سترها عليه عن النّاس في الدّنيا، و في عفوه عنها في الآخرة، فله الحمد على منّته على عباده المؤمنين و إتحافهم بسعادتهم في الدّارين.
و للإمام أحمد من وجه آخر؛ عن عائشة: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول في بعض صلاته «اللّهمّ حاسبني حسابا يسيرا» فلما انصرف قلت: يا رسول اللّه؛ ما الحساب اليسير؟! قال: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنّ من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك» انتهى.
فعائشة (رضي الله عنها) فهمت أنّ الحديث معارض للآية!! لأنّ «من» من صيغ العموم، فظنّت أنّ كلّ من حوسب معذّب؛ مع أنّ ظاهر قوله تعالى فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) [الانشقاق] دالّ على أنّ الحساب لا يستلزم العذاب فأزال صلى اللّه عليه و سلم الإشكال