منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ١٧٢ - استطراد
و روي هذا الحديث ...
و منها ما ذكره بعض الأطبّاء: أن المكان الّذي يقع به الوباء؛ تتكيّف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة؛ فتألفها، و يصير لهم كالأهوية الصّحيحة لغيرهم. فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة؛ لم توافقهم! بل ربّما إذا استنشقوا هواءها، استصحب معه إلى القلب؛ من الأبخرة الرّديّة، الّتي حصل تكيّف بدنها بها، فأفسدته!؟ فمنع من الخروج لهذه النّكتة.
و منها أنّ الخارج يقول: لو أقمت لأصبت بالطّاعون!! و المقيم يقول: لو خرجت لسلمت! فيقع في «اللّو» المنهيّ عنه، بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «إيّاك» و «لو»؛ «فإنّ لو من الشّيطان». رواه مسلم. انتهى. من «المواهب» و شرحها.
فإن قيل: ظاهر الحديث ليس فيه طبّ من الطّاعون؟ و إنّما فيه نهيه عن الخروج و الدّخول؟
و الجواب: أنّه نهي شرعيّ، مشتمل على طبّ بدنيّ، لأن النّبي صلى اللّه عليه و سلم جمع للأمّة في نهيه عن الدّخول إلى الأرض، الّتي هجر بها، و نهيه عن الخروج منها، بعد وقوعه جمع لها كمال التّحرّز منه، لأن في الدّخول في الأرض الّتي هو بها تعرّضا للبلاء، و تجنّب الدّخول من باب الحمية الّتي أرشدنا اللّه إليها، و هي حمية عن الأمكنة، و الأهوية المؤذية، كما أنّ نهيه عن الخروج من بلده؛ فيه حمل النّفوس على الثّقة باللّه و التّوكّل عليه، و الصّبر على أقضيته؛ و الرّضا بها.
فظهر المعنى الطّبّي من الحديث النّبويّ، و ما فيه من علاج القلب و البدن، و صلاحهما؛ كما ذكره ابن القيّم (رحمه الله تعالى).
(و) قد (روي)- ببناء المجهول- (هذا الحديث)؛ أي: حديث الطّاعون، الّذي رواه أسامة المذكور؛ و ليس المراد بصيغة التّمريض الإشارة إلى ضعف الحديث؟ بل القصد بها الاختصار بحذف راويه، لأنّ الحديث صحيح؛ رواه البخاريّ في «الطّبّ و الحيل»، و مسلم في «الطّبّ»، و أبو داود في «الجنائز».