منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٥٢ - (حرف الميم)
..........
البعض «أراد به: إلهامه علم ما لم يتعلّم من مزيد معرفة اللّه تعالى، و خدع النّفس و الشّيطان، غرور الدّنيا و آفات العمل؛ من نحو عجب و رياء و كبر، و رياضة النّفس و تهذيبها، و تحمّل الصّبر على مرّ القضاء، و الشّكر على النّعماء، و الثّقة بما وعد، و التّوكّل عليه، و تحمّل أذى الخلق».
و قد ثبت أنّ دقائق علوم الصّوفيّة منح إلهيّة، و مواهب اختصاصيّة؛ لا تنال بمعتاد الطلب.
فلزم مراعاة وجه تحصيل ذلك؛ و هو ثلاث:
الأوّل: العمل بما علم على قدر الاستطاعة.
الثّاني: اللجأ إلى اللّه تعالى على قدر الهمّة.
الثّالث: إطلاق النّظر في المعاني حال الرجوع لأهل السّنّة، ليحصل الفهم و ينتفي الخطأ، و يتيسّر الفتح.
و قد أشار لذلك الجنيد بقوله: ما أخذنا التّصوّف عن القيل و القال، و المراء و الجدال، بل عن الجوع و السّهر و لزوم الأعمال.
قال الغزالي: من انكشف له و لو الشيء اليسير؛ بطريق الإلهام و الوقوع في القلب من حيث لا يدري؛ فقد صار عارفا بصحّة الطّريق، و من لم ير ذلك من نفسه! فينبغي أن يؤمن به، فإنّ درجة المعرفة عزيزة جدا.
و يشهد لذلك شواهد الشّرع و التّجارب و الوقائع، فكلّ حكم يظهر في القلب بالمواظبة على العبادة من غير تعلّم؛ فهو بطريق الكشف و الإلهام.
و قال حجّة الإسلام: يتعيّن أن يكون أكثر الاهتمام بعلم الباطن، و مراقبة القلب، و معرفة طريق الآخرة و سلوكه، و صدق الرّجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة و المراقبة، فإنّ المجاهدة تقضي إلى المشاهدة، فجاهد تشاهد دقائق علم القلوب، و تنفجر منها ينابيع الحكمة من القلب.