منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣١٨ - الفصل الثّاني في سنّه
ففي وفاته عبرة تامّة، ...
(ففي وفاته عبرة تامّة) للناظرين، و تبصرة للمستبصرين؛ إذ لم يكن أحد أكرم على اللّه منه، إذ كان خليل اللّه و حبيبه و نجيّه، و كان صفيّة و رسوله و نبيّه؛ فانظر، هل أمهله ساعة عند انقضاء مدته!؟ و هل أخّره لحظة بعد حضور منيّته!؟
لا؛ بل أرسل إليه الملائكة الكرام، الموكّلين بقبض أرواح الأنام؛ فجدّوا بروحه الزكية الكريمة لينقلوها، و عالجوها ليرحلوا بها عن جسده الطاهر إلى رحمة و رضوان، و خيرات حسان، بل إلى مقعد صدق في جوار الرحمن، فاشتدّ مع ذلك في النزع كربه؛ و ظهر أنينه، و ترادف قلقه؛ و ارتفع حنينه، و تغيّر لونه و عرق جبينه، و اضطربت في الانقباض و الانبساط شماله و يمينه، حتى بكى لمصرعه من حضره، و انتحب لشدّة حاله من شاهد منظره؛ فهل رأيت منصب النّبوّة دافعا عنه مقدورا!! و هل راقب الملك فيه أهلا و عشيرا! و هل سامحه إذ كان للحق نصيرا؛ و للخلق بشيرا و نذيرا!!؟
هيهات؛ بل امتثل ما كان به مأمورا، و اتّبع ما وجده في اللوح مسطورا، فهذا كان حاله و هو عند اللّه ذو المقام المحمود، و الحوض المورود، و هو أوّل من تنشقّ عنه الأرض، و هو صاحب الشفاعة يوم العرض، فالعجب أنّا لا نعتبر به، و لسنا على ثقة فيما نلقاه، بل نحن أسراء الشّهوات، و قرناء المعاصي و السّيّئات، فما بالنا لا نتّعظ بمصرع محمّد سيّد المرسلين، و إمام المتقين، و حبيب رب العالمين!!.
لعلنا نظنّ أنّنا مخلّدون! أو نتوهّم أنّا مع سوء أفعالنا عند اللّه مكرّمون!! هيهات هيهات؛ بل نتيقّن أنّا جميعا على النّار واردون، ثم لا ينجو منها إلّا المتّقون، فنحن للورود مستيقنون؛ و للصدور عنها متوهّمون.
لا؛ بل ظلمنا أنفسنا أن كنّا كذلك لغالب الظّن منتظرين، فما نحن و اللّه من المتقين، و قد قال اللّه ربّ العالمين وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) [مريم].