منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٢٩٠ - الفصل الثّاني في سنّه
..........
قال الكرمانيّ: فإن قلت: ليس فيها أنّه صلى اللّه عليه و سلم قد مات؟ و أجاب: بأنّ أبا بكر تلاها لأجل أنّه صلى اللّه عليه و سلم قد مات.
و في حديث ابن عمر؛ عند ابن أبي شيبة: أنّ أبا بكر مرّ بعمر و هو يقول:
ما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و لا يموت، حتّى يقتل اللّه المنافقين. قال: و كانوا أظهروا الاستبشار و فرحوا بموته؛ و رفعوا رءوسهم.
فقال أبو بكر لعمر: أيّها الرّجل؛ إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قد مات، أ لم تسمع اللّه تعالى يقول إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، و قال وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) [الأنبياء] ثمّ أتى أبو بكر المنبر فصعد عليه، فحمد اللّه، و أثنى عليه، فذكر خطبته: أمّا بعد؛ من كان يعبد محمّدا؛ فإنّ محمّدا قد مات، و من كان يعبد اللّه؛ فإنّ اللّه حيّ لا يموت، قال اللّه تعالى وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [١٤٤/ آل عمران] الآية.
و في البخاري أنّ عمر قال: و اللّه؛ ما هو إلّا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، حتّى ما تقلّني رجلاي، و حتّى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، و علمت أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قد مات ..
و في هذا أدلّ دليل على شجاعة الصّدّيق، فإنّ الشّجاعة حدّها: ثبوت القلب عند حلول المصائب، و لا مصيبة أعظم من موت النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، إذ قال أكثر النّاس:
لم يمت رسول اللّه.
و اضطرب الأمر فكشفه الصّدّيق بهذه الآية، و كشف عن النّاس اضطرابهم.
ففيه قوّة جأشه، و كثرة علمه، و ثباته، و هو المحبّ الأكبر للنّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و قد وافقه على ذلك العبّاس- كما تقدّم- و وافقه المغيرة؛ كما رواه ابن سعد، و ابن أمّ مكتوم كما في «مغازي أبي الأسود»؛ عن عروة، قال: إنّ ابن أمّ مكتوم كان يتلو إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) [الزمر]، و النّاس لا يلتفتون إليه، و كان أكثر الصّحابة على خلاف ذلك.