منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٢٤٣ - الفصل الثّاني في سنّه
فأكرموا كريمهم- يعني: محسنهم- و تجاوزوا عن مسيئهم».
ثمّ قال [(صلّى اللّه عليه و سلم)]: «إنّ عبدا خيّر بين الدّنيا و بين ما عند اللّه .. فاختار ما عند اللّه»، فبكى أبو بكر (رضي الله تعالى عنه)، و ظنّ أنّه يريد نفسه.
فقال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم): «على رسلك يا أبا بكر، ..
لا يلحقهم فيه اللّاحق، و لا يدرك شأوهم السّابق (فأكرموا كريمهم»- يعني:
محسنهم- و تجاوزوا عن مسيئهم») في غير الحدود. (ثمّ قال:
«إنّ عبدا خيّر)- من التّخيير- (بين الدّنيا و بين ما عند اللّه) في الآخرة؛ (فاختار) ذلك العبد (ما عند اللّه». فبكى أبو بكر (رضي الله تعالى عنه)، و ظنّ)؛ أي: فهم (أنّه)؛ أي: النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، (يريد) بهذا الكلام (نفسه) صلى اللّه عليه و سلم فقال أبو بكر الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه): فديناك بآبائنا و أمّهاتنا.
قال الرّاوي: فعجبنا لبكائه! و قال النّاس: متعجّبين: انظروا إلى هذا الشّيخ؛ يخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن عبد خيّره بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا؛ و بين ما عنده، و هو يقول: فديناك بآبائنا و أمّهاتنا!؟.
قال الرّاوي: فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم هو المخيّر، و كان أبو بكر أعلمنا به؛ ذكره في البخاري.
(فقال النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «على رسلك؛ يا أبا بكر) تسلية له، إذ خفي المعنى على كثير ممّن سمع كلامه، و لم يفهم المقصود غير صاحبه الخصّيص به؛ ثاني اثنين إذ هما في الغار، و كان أعلم الأمّة بمقاصد النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، فلمّا فهم المقصود من هذه الإشارة بكى؛ و قال «بل نفديك بأموالنا؛ و أنفسنا؛ و أولادنا».
فسكّن الرسول صلى اللّه عليه و سلم جزعه، و أخذ في مدحه، و الثّناء عليه على المنبر، ليعلم النّاس كلّهم فضله؛ فلا يقع عليه اختلاف في خلافته، فقال: «إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته و ماله أبا بكر، و لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا، و لكن أخوّة الإسلام».