شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١١٥ - باب (فى قوله تعالى
قال اللّه عزّ و جلّ: فَإِنْ أَصٰابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ يعني عافية في الدّنيا وَ إِنْ أَصٰابَتْهُ فِتْنَةٌ يعني بلاء في نفسه [و ماله] «انْقَلَبَ عَلىٰ وَجْهِهِ» انقلب على شكّه إلى الشرك، «خَسِرَ الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ الْخُسْرٰانُ الْمُبِينُ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ مٰا لٰا يَضُرُّهُ وَ مٰا لٰا يَنْفَعُهُ»
(انقلب على شكه الى الشرك)
(١) أي ينتقل من شكه فى رسول اللّه (ص) بعد نزول البلايا الى الشرك باللّه بسبب انكار الرسول و ما جاء به، و ليس المراد أنه اجتمع الشك فيه مع الشرك باللّه فلا ينافى ما فهم سابقا من خروجهم من الشرك مع الشك فيه.
(خَسِرَ الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ الْخُسْرٰانُ الْمُبِينُ)
(٢) أما خسرانه فى الدنيا و الآخرة فلو ورد البلايا عليه و ذهاب عصمته و هبوط عمله بالارتداد، و أما ان خسرانه هو الخسران المبين الظاهر فى الخسارة فلانه لا خسران أعظم و أظهر منه لان الخسران اما بفوات المرغوبات الدنيوية أو بفوات المثوبات الاخروية أو بفواتهما جميعا، و هذا أظهر و أبين من الاولين.
و ثبت فى اسلامه و ان اصابته فتنة دعته الواهمة الى ترك العقل و لا ريب أن الحب و البغض و الخوف و الطمأنينة و أمثال ذلك كلها من أفعال الواهمة و ان استحسن بعضها العقل.
ثم اعلم أن غالب هذه الاقسام مما لا يمكن أن يترتب عليها حكم فقهى فى الدنيا اذ هى امور باطنة فى القلب لا يطلع عليها الا اللّه و يجازيهم فى الآخرة على حسب ما يعلم من استحقاقهم و الناس مأمورون بالظاهر و ما يمكن اطلاعهم عليه، و كل هؤلاء المظهرين للاسلام محكومون بالطهارة، و أخطأ زرارة فى أمرين الاول أنه نفى الواسطة بين الايمان و الكفر فى الآخرة و قاسه على الدنيا و اجرى حكم الفقه فى جميع امور الدين، الثانى أنه حكم بكفر هذه الوسائط مطلقا و دل الحديث الاول السابق فى باب الضلال على اصابة محمد بن مسلم.
و هذه الفرق و الاقسام غير الفرق التى لهم عقائد ممهدة مدونة و جماعة متظاهرة متناصرة و آراء معلومة مضبوطة و أسماء مشهورة كالزيدية و الاشاعرة و المعتزلة و غيرهم، فانهم يعرفون بالانتحال الى فرقتهم و ليسوا مما لا يطلع أحد على باطنهم الا اللّه. نعم لا يحكم بكفر أحد و ضلاله ما لم يسمع مذهبه من لفظه، و لا يكفى فى ذلك انتحاله الى طائفة، فرب أشعرى لا يلتزم ببعض أصولهم و معتزلى كذلك و الانتحال إليهم باعتبار الاتفاق فى أغلب القواعد أو الظاهر المهم منها، و كم من شافعى خالف الشافعى فى بعض فتاواه، و هنا فرق ليس لهم اختصاص بدين و مذهب أصلا و لا يمكن الحكم فيهم بشيء أصلا بصرف الانتحال كالصوفية و الفلاسفة فهم بمنزلة الشاعر و النحوى يوجد فيهم الشيعى و السنى و النصرانى و اليهودى. بل يوجد فى الفلاسفة المشرك و الملحد كما يوجد فيهم المسلم الامامى الاثنا عشرى و لا يصح جعل هذه الفرق بمنزلة ما ورد فى الروايات من فرق المخالفين و الوسائط بين الايمان و الكفر. (ش)