جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٢٢ - المسح على الجبيرة عند تعذّر الغسل
بل عدم الاجتزاء به لو وقع من دون مسح أو معه بدون قصده فضلًا عن وجوبه (١).
(١) و عن العلّامة في نهاية الإحكام احتمال إيجاب أقلّ مسمّى الغسل [١]. و استجوده بعض من تأخّر عنه [٢].
قلت: و كأنّه لمكان قيام الجبيرة مقام البشرة، فيجب فيها ذلك [الغسل]. و ما في الروايات من الأمر بالمسح يراد به المسح اللغوي، أي يمرّ يده بعد أن يبلّها بالماء بما يتحقّق به ذلك [الغسل] على الجبيرة. و لا يجب عليه تطلّب ما تحت الجبيرة، بل يصدق على هذا الفرد من الغسل أنّه مسح عرفاً. لكن مراده [أي العلّامة] لا يخلو من إجمال؛ لعدم العلم بأنّ مراده بإيجاب أقلّ مسمّى الغسل [هل هو] عدم الاجتزاء بالمسح و بغيره من أفراد الغسل أيضاً لأنّه أقرب إلى المسح من غيره، أو يريد أنّ ذلك أقلّ الواجب، و إلّا فيجزي غيره؟ وجهان. و كذا [أي لا يخلو من إجمال] كلام من تسمعه ممّن مال إلى مقالته.
و لقد أطال الاستاذ الأكبر في شرح المفاتيح في تأييد هذا القول و تسديده، و ممّا قال: إنّه ليس المراد من قوله (عليه السلام): «و يمسح على الجبائر»، و نحو ذلك، سوى أنّه يمرّ يده على الجبائر مكان إمراره على البشرة عوضاً عنها. و ليس المراد أنّه يجفّف يده عن الرطوبة الزائدة فيها كي لا يقع جريان أصلًا؛ إذ قد تكون الجبيرة في وسط الذراع مثلًا، فيلتزم المكلّف حينئذٍ بغسل اليد من المرفق إلى الجبيرة ثمّ إنّه يجفّف يده لمسح الجبيرة، ثمّ يأخذ بعد ذلك ماءً جديداً و يغسل به بقيّة اليد، و لعلّ القطع حاصل بعدم إرادة ذلك. بل لا يكاد يتحقّق مسح في مثل الرأس و الرجلين خالٍ عن ذلك، فضلًا عن هذا المسح الذي يظهر من الأخبار أنّ المراد عدم كونه تحت الجبيرة، لا أنّه ينتقل الوضوء حينئذٍ و يجعل غسله مسحاً من دون مانع من الغسل أصلًا. نعم مع المانع [أي من الغسل] لا مانع منه. و لعلّ مراد الفقهاء ما ذكرنا؛ لعدم إشارة أحد منهم إلى ذلك- إلى أن قال:- بل نقول: المراد من قوله (عليه السلام) في صحيح ابن الحجاج المتقدّم: «يغسل ما وصل إليه الغسل ... إلى آخره»، ما هو أعمّ من البشرة و الجبيرة. و هو أنسب بعموم كلمة «ما». و لعلّ عدوله عن قوله (عليه السلام): «اغسل ما حولها» لهذه النكتة. قال: و لو قلنا: إنّ الرواية ليست ظاهرة في ذلك لوجب حملها على هذا المعنى؛ لئلّا تحصل المنافاة بينها و بين غيرها من الروايات، لظهورها بدون ذلك في الاكتفاء بغسل ما حول الجبيرة. ثمّ أيّده بقوله (عليه السلام): «لا يسقط الميسور بالمعسور» و نحوه. و ممّا قال أيضاً: إنّ أخبار المسح لو كانت تدل على عدم الجريان أو وجوب قصد عدم مدخليّته، تصير معارضة لما دلّ على وجوب الغسل من الكتاب و السنّة، و من المعلوم أنّه إذا تعذّرت الحقيقة فالحمل على أقرب المجازات، فحينئذٍ تحمل أخبار المسح على ما ذكرنا، أو يراد بها أنّها إذا تضرّر بغير المسح حتى فيما ذكرناه [٣] انتهى. و لا يخفى عليك ما فيه.
و كأنّ الذي دعاه إلى ذلك تخيّل أنّ القول بالمسح ينافيه ما يحصل لبعض أجزاء الماء من الانتقال الذي يتحقّق به الغسل، و هو معلوم الفساد و إن ظهر من بعض كلمات بعضهم، بل التحقيق: أنّ المسح بالماء في المقام يتحقّق و إن حصل ذلك. نعم، نحن لا نوجبه؛ لأنّه من المستبعد بل من المقطوع بعدمه إرادة الغسل من لفظ المسح المتكرّر في النصوص و الفتاوى و معاقد الإجماعات، بل السيرة و الطريقة على خلافه؛ فإنّ استيعاب الجبيرة بالماء على وجه بحيث ينتقل كلّ جزء منه إلى جزء أو جزءين منها- مع أنّ الغالب فيها أن تكون من الخرق التي يتعسّر جدّاً فيها مثل ذلك؛ لحصول جفاف الأجزاء المائية بمجرّد وقوعها عليها غالباً، ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه، مع منافاته مشروعية المسح على الجبائر من التخفيف و السهولة و نحوها.
[١] نهاية الإحكام ١: ٦٥.
[٢] كشف اللثام ١: ٥٧٧.
[٣] المصابيح: ٢٩٩- ٣٠٠، مع اختلاف في اللفظ.