جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٤ - وجوب الغسل غيري
..........
و يؤيّده: وقوع الاستدلال بها حينئذٍ من غير واحد من الأصحاب حتى من العلّامة [١] على الاجتزاء بغسل الجنابة عن الوضوء.
و رواه أيضاً محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قال: قلت: إنّ أهل الكوفة يروون عن عليّ (عليه السلام) أنّه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة، فقال: «كذبوا على عليّ (عليه السلام) [ما وجدوا ذلك في كتاب عليّ (عليه السلام)]، قال اللّٰه تعالى: (وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا)» [٢]، و هو لا يكون إلّا على ذلك، و إلّا فعلى الوجوب النفسي لا تعرّض فيها لذلك، بل قد تدلّ الآية حينئذٍ على وجوب الوضوء معه؛ أخذاً بعموم الشرط فيها.
لا يقال: إنّ ما ذكرتموه من العطف على الجواب أو على الشرط المقدّر مستبعد جدّاً، بل الثاني ممنوع؛ لعدم الدليل على التقدير حتى يصحّ العطف عليه.
لأنّا نقول: قد ظهر لك سابقاً ما يرفع هذا الاستبعاد، بل ما يحقّق أقربيته على دعوى الاستئناف أو العطف على الشرط.
و أمّا ما ذكر من عدم الدليل على التقدير، ففيه: أنّه قد نقل [٣] عن اتّفاق المفسّرين: «أنّ المراد إذا قمتم إلى الصلاة و كنتم مُحدثين بالحدث الأصغر». لكن يحتمل أن يكون المراد خصوصيّة النوم، كما يدلّ عليه موثق ابن بكير و غيره قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): قوله تعالى: (إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ) ما يعني بذلك؟ قال: «إذا قمتم من النوم، قلت: ينقض النوم الوضوء؟ قال:
نعم ... إلى آخره» [٤]. و على هذا التقدير يراد حينئذٍ بالجنابة في قوله: (وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً) [٥] الجنابة الحاصلة بالاحتلام، فيكون المعنى إذا قمتم إلى الصلاة فتوضّئوا إن لم يكن احتلام، و إن كنتم جنباً بحصول الاحتلام في النوم فاغتسلوا. و يستفاد منه حينئذٍ أنّ النوم حدث، كما أنّه يستفاد منه حينئذٍ الاستغناء بالغسل عن الوضوء؛ لدخول الأصغر الذي هو النوم في ضمن الأكبر الذي هو الجنابة. و لعلّ هذا التفسير للآية أولى من غيره؛ لما فيه- مع موافقته للنصّ السابق- من السلامة عن الحزازات في غيره كالاستغناء:
أ- عن قوله: (أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ)* ٦ بدلالة المضمر عليه.
ب- و عن قوله: (أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ)* ٧ بقوله: (وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً).
جبل قيل: و عن قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً)* ٨ بقوله: (وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ)* ٩؛ لأنّ ذكر السفر في موجبات التيمّم لكونه مظنّة فقد الماء، فكأنّه عبّر به عنه.
و أمّا المرض فإنّما يوجب التيمّم لأجل التضرّر باستعمال الماء لا لفقده، فلا وجه للتقييد به. و مع ذلك فإنّما يستقيم [تفسير: (إِذٰا قُمْتُمْ) بمطلق الحدث] بجعل «أو» في قوله: (أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ)* بمعنى «الواو»، و هو بعيد جدّاً، بل أنكره كثير من النحاة.
و لا يلزم شيء من ذلك على هذا التفسير [أي القيام من النوم]؛ إذ عليه يكون قوله تعالى: (أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ)* عطفاً على ما سمعته من المقدّر في قوله: (إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ).
[١] نهاية الإحكام ١: ١١١.
[٢] الوسائل ٢: ٢٤٧، ب ٣٤ من الجنابة، ح ٥.
[٣] نقله في المنتهى ١: ١٩٥.
[٤] الوسائل ١: ٢٥٣، ب ٣ من نواقض الوضوء، ح ٧.
[٥] ٥، ٩ المائدة: ٦.