جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٦٦ - حرمة استقبال القبلة و استدبارها
..........
ب- مع أنّ عبارة المفيد غير صريحة في ذلك، فإنّه- بعد أن قال: «و لا يستقبل القبلة بوجهه و لا يستدبرها، و لكن يجلس على استقبال المشرق إن شاء أو المغرب» [١]- قال: «و إذا دخل الإنسان داراً قد بني فيها مقعد للغائط على استقبال القبلة أو استدبارها لم يضرّه الجلوس عليه، و إنّما يكره ذلك في الصحاري و المواضع التي يتمكّن فيها من الانحراف عن القبلة» ٢. فقد يكون مراده من لفظ الكراهة الحرمة، و من عبارته الاولى صورة عدم التمكّن من الانحراف و من غير هذا الموضع. و قد يستأنس لذلك بعبارات وقعت لمن علم أنّ مذهبه التحريم، كما تسمع إن شاء اللّٰه تعالى.
جو أمّا ابن الجنيد فلم نعلم مذهبه من غير جهة النقل، فقد نقل أنّه قال: «يستحب للإنسان إذا أراد التغوّط في الصحراء أن يجتنب استقبال القبلة» [٣]. و قد يريد الوجوب.
فانحصر الخلاف في سلّار، فإنّه قال: «و ليجلس غير مستقبل القبلة و لا مستدبرها، فإن كان في موضع قد بني على استقبالها و استدبارها فلينحرف في قعوده، هذا إذا كان في الصحاري و الفلوات، و قد رخّص في ذلك في الدور و تجنّبه أفضل» [٤]. و لعلّ وجهه: الجمع بين ما تقدّم من الأدلّة و بين خبر محمّد بن إسماعيل، قال: «دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) و في منزله كنيف مستقبل القبلة» [٥].
و هو:
١، ٢- مع عدم مقاومته لما سمعت من الأخبار، و معارضته للإجماع المنقول.
٣- غير صريح في ذلك، بل و لا ظاهر؛ لعدم استلزام ذلك الجلوس فيه منه (عليه السلام) كذلك.
٤- مع احتمال كون البناء على القبلة دون محل التغوّط، بل ينبغي القطع بذلك؛ لأنّه لا كلام في كون ذلك مرجوحاً و هم منزّهون عن الاستمرار عليه، و كيف يتخيّل أنّهم (عليهم السلام) يأمرون الناس و يؤكّدون غاية التأكيد على تعظيم القبلة و إجلالها، مع أنّهم لا يفعلون ذلك و يضعون الكنيف في دورهم لهم و لعيالهم و خدّامهم و ضيوفهم؟! كلّا إنّ ذلك ممنوع. و عبارة المفيد و إن اقتضى ظاهرها الإباحة لكن قد عرفت الكلام فيها، و لم ينقل عن ابن الجنيد الحكم في البناء.
٥- مع أنّ هذا الراوي [نفسه] قد روى عن الرضا (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «من بال حذاء القبلة ثمّ ذكر فانحرف عنها إجلالًا للقبلة و تعظيماً لها، لم يقم من مقعده ذلك حتى يغفر له» ٦، على أنّ قوله (عليه السلام): «ثمّ ذكر فانحرف» فيه إشعار أنّه لا ينبغي أن يقع منه حال العمد.
٦- و أيضاً قوله (عليه السلام) في خبر عيسى: «إذا دخلت المخرج» [٧] ظاهر في الأبنية.
٧- و كذلك مرسل عليّ بن إبراهيم: [ «و لا تستقبل القبلة ...» ٨]، فتأمّل. و كيف كان، فلا ينبغي الشكّ في المسألة. فما وقع من بعض المتأخرين [٩] من النزاع في هذا الحكم إنّما نشأ من سوء الطريقة.
[١] ١، ٢ المقنعة: ٣٩، ٤١.
[٣] نقله في المختلف ١: ٢٦٦.
[٤] المراسم: ٣٢.
[٥] ٥، ٦ الوسائل ١: ٣٠٣، ب ٢ من أحكام الخلوة، ح ٧.
[٧] ٧، ٨ تقدّم في ص ٣٦٥.
[٩] مجمع الفائدة و البرهان ١: ٨٩.