جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٧٠ - كيفيّة تنجّس ماء البئر
..........
نعم، يبقى كلام في أنّ النازح تطهر ثيابه و نحوها أو خصوص ما يباشر به، و هل يعتبر استمراره على النزح إلى التمام أو لا؟
فمن جاء في الأثناء حكمه حكم النازح في الابتداء؟ و نحو ذلك من الأحكام الكثيرة و الفروع المهمّة بناءً على التنجيس. مع أنّه ليس في الأخبار لها عين و أثر. حتى أنّ ما ذكرنا من طهارة الدلو و الحبل و النازح و حواشي البئر و نحو ذلك مجرّد استظهار ليس في الأخبار له تعرّض، بل هو شكّ في شكّ. و كلّ ذلك دليل على عدم التنجيس، و إلّا لما ترك في هذه الأخبار على كثرتها بيان مثل هذه الامور المهمّة.
و كيف كان، فلا ينبغي الشكّ في أنّ الترجيح لأخبار الطهارة، فوجب حينئذٍ طرح تلك الأخبار أو حملها على خلاف ظاهرها.
فنقول: أمّا مكاتبة ابن بزيع [١] فعلى أنّ المراد من الطهارة مطلق النظافة و النزاهة. و هو بعيد؛ لأنّ مثل ذلك لا ينحصر ١/ ٢٠٠/ ٣٨٧
الرجوع فيه إلى الإمام (عليه السلام) بحيث لا يعرفه أحد سواه حتى يكتب له من بلاد إلى بلاد.
أ- نعم، يحتمل أن يقال: إنّها إنّما تدلّ [على مجرّد النزاهة] على القول بأنّ النزح تعبّد، و ذلك لأنّه قال فيها: «ما الذي يطهّرها حتى يحلّ الوضوء منها للصلاة»، و كأنّ قوله: «حتى» إشارة إلى ذلك؛ لأنّ المعنى حينئذٍ: ما الذي يطهّرها طهارة تحلّ الوضوء منها للصلاة، فيكون كأنّ أصل وجود الطهارة عنده [السائل] محقّق، لكن إشكاله في الطهارة التي يترتّب عليها مثل الوضوء.
ب- أو يقال: إنّ ذلك [قوله: «يطهّرها»] في كلام السائل لا في كلامه (عليه السلام)، و كما يمكن تقديره في كلام الإمام (عليه السلام) بأن يقال: يطهّرها نزح دلاء كذلك يمكن أن يقال: إنّه لمّا سئل عن هذه الأشياء قال (عليه السلام): «ينزح منها دلاء»، و أضرب عن قول السائل:
«يطهّرها»، فيكون حينئذٍ هذا الخبر كالأخبار الاخر الآمرة بالنزح. و ممّا يؤيّد أنّ هذه الرواية ليست على ظاهرها هو أنّ محمّد بن إسماعيل بن بزيع- راوي هذه الرواية- قد روى تلك الرواية الواضحة الدلالة التي لا تقبل التأويل و هي قوله (عليه السلام): «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلّا أن يتغيّر طعمه أو ريحه فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه؛ لأنّ له مادة» [٢]، مع أنّه لم يظهر منه [من ابن بزيع] التوقّف في الحكم من جهة التناقض و التعارض.
و أمّا الرواية الثانية و هي قوله: «يجزيك أن تنزح منها دلاء؛ فإنّ ذلك يطهّرها إن شاء اللّٰه» [٣] فقد احتمل فيها أيضاً حمل الطهارة على المعنى اللغوي. و ربّما ايّد- هنا- بأنّ «دلاء» أقلّه ثلاثة، مع أنّه من جملة المسئول عنه الكلب و الهرّة، و الفتوى عندهم في ذلك أربعون دلواً.
و لا يبعد حمل هذه الرواية و التي قبلها على إرادة الطهارة ممّا يكره استعماله؛ و ذلك لأنّه لمّا كان النجس يحرم استعماله و هذا يكره استعماله شارك النجس في ذلك، فصحّ إطلاق لفظ الطهارة عليه، و لفظ الحلّ الذي ليس معه الكراهة.
[١] الوسائل ١: ١٧٦، ب ١٤ من الماء المطلق، ح ٢١.
[٢] المصدر السابق: ١٧٢، ح ٦.
[٣] الوسائل ١: ١٨٢، ب ١٧ من الماء المطلق، ح ٢.