البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٠ - المعنى المناسب لإيجادية المعاني الحرفية
و المعنى الحرفي بكون المعاني الاسمية معان إخطارية، بمعنى: أن المعاني و المفاهيم الاسمية لها نحو تقرّر و ثبوت في وعاء العقل مع قطع النظر عن الاستعمال، فعند ما يسمع الإنسان لفظ النار- مثلًا-، يقوم هذا اللفظ بدور الإخطار في الذهن و انسباق هذا المعنى من بين مجموعة المعاني الأخرى الموجودة في وعاء العقل، و هذا هو معنى إخطارية المعاني الاسمية، و أما المعاني الحرفية، فحيث لا يوجد لها أي تقرّر و ثبوت مع قطع النظر عن الاستعمال، فهي إيجادية، بمعنى: أن الحرف يوجد معناه- و هو الربط- في مرحلة الاستعمال، فيربط بين لفظ النار و لفظ الموقد عند الاستعمال و الكلام، أما قبل الاستعمال، فلا يوجد معنى ثابت متقرّر في وعاء العقل [١].
و قد أشكل السيد الشهيد (قدس سره) على ذلك، بأن المعاني الحرفية أيضاً إخطارية بهذا المعنى؛ لأن معنى الحرف- و هو النسبة و الربط- أيضاً ثابت و متقرّر في وعاء الذهن، و يقوم الحرف بدور إخطاره في الذهن عند التلفظ به، فمعنى «في»- و هو النسبة
الظرفية- ثابت أيضاً في الذهن قبل التلفظ بهذا الحرف، فهو أيضاً إخطاري من هذه الناحية، فلا يصلح هذا أن يكون فارقاً بين المعنى الاسمي و المعنى الحرفي.
فالمعنى المناسب و العميق لإيجادية المعاني الحرفية التي يقول بها المحقق النائيني (قدس سره)، هو أن يراد بذلك كون المعنى الحرفي- و هو النسبة و الربط- عين حقيقة نفسه، لا أنه مجرد عنوان و مفهوم للنسبة يري الحقيقة تصوّرها [٢] و يغايرها حقيقة، بل هو
[١] قال المحقق النائيني في فوائد الأصول ج ١ ص ٣٧:) لا إشكال في أن المعاني المرادة من الألفاظ على قسمين منها: ما تكون إخطارية، و منها: ما تكون إيجادية، أما الأولى: فكمعاني الأسماء حيث إن استعمال ألفاظها في معانيها يوجب إخطار معانيها في ذهن السامع و استحضارها لديه، و السر في ذلك هو ما ذكرناه من أن المفاهيم الاسمية لها نحو تقرر و ثبوت في وعاء العقل، الذي هو وعاء الإدراك، فيكون استعمال ألفاظها موجبا لإخطار تلك المعاني في الذهن. و أما الثانية: فكمعاني الحروف حيث إن استعمال ألفاظها موجب لإيجاد معانيها من دون أن يكون لمعانيها نحو تقرر و ثبوت مع قطع النظر عن الاستعمال، بل توجد في موطن الاستعمال (.
[٢] اعلم أنه يوجد عندنا شيئان، أحدهما: مفهوم النسبة، و الآخر: واقع تلك النسبة و حقيقتها، و المعنى الحرفي منهما هو الثاني لا الأول؛ لأن مفهوم النسبة من المعاني الاسمية كما تقدم ذلك، وعليه، فإيجادية المعنى الحرفي تعني كون الذي في الذهن هو واقع النسبة و حقيقتها لا مجرّد مفهوم النسبة الذي يري تصوره حقيقة تلك النسبة و حكايته عنها خارجاً؛ فإن هذا هو شأن المفاهيم الاسمية كما هو واضح، وعليه، فما أثبتناه في المتن من إظهار الضمير في قوله:) تصورها (أولى مما فعله بعض الأساتذة و أبدله بقوله) تصوراً (؛ فإن العبارة على ما ذكرنا منسجمة مع واقع البحث.