البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٦ - الاتجاه الأول الاختلاف بين المعنيين في كيفية اللحاظ
و انطباقه على الخارج، و نقصد بلحاظ وجوده في الذهن أن نلحظ الصورة الذهنية لذلك المفهوم.
فإذا لوحظ وجود ذلك المفهوم في الخارج، فهو دائماً متقوم بطرفين، و هما «المبتدئ»، أي: من ينسب إليه الابتداء، و الآخر هو «المبتدأ منه»، أي: النقطة التي ابتدأ منها المبتدئ؛ إذ لا يمكن أن يقع الابتداء خارجاً إلا و هو متقوم بهذين الطرفين و مرتبط بهما، فلو قال المولى- مثلًا-: «السير من البصرة إلى الكوفة واجب»، فلو أخذنا معنى «من» و هو الابتداء، و أردنا أن نلحظ وجوده و تحققه فعلًا في الخارج، فلا بد أن يتحقق السير فعلًا، و أن يكون ابتداؤه من البصرة، و بدونهما لا يمكن أن يتحقق الابتداء خارجاً، فهو متقوم بالمبتدئ و هو «السير»، و بالمبتدإ منه و هو «البصرة»، و كذلك لو أخذنا معنى «إلى» و هو الانتهاء، فتحققه في الخارج متقوم ب- «السير»، و ب- «الكوفة»؛ حيث إن الكوفة هي نقطة انتهاء السير، فلا يمكن أن يتحقق مفهوم الابتداء و مفهوم الانتهاء في الخارج إلا و هو متقوم بوجود طرفين، و لا يمكن لنا أن نتصور وجود الابتداء خارجاً بدون هذين الطرفين، فالابتداء خارجاً لا يمكن أن نتصوّره إلّا إذا كان هناك مبتدئ و مبتدأ منهُ، و كذلك الانتهاء، فهو متقوّم بوجود منتهٍ و شيء يُنتهى إليه، و هكذا.
و أما إذا لوحظ وجود الابتداء في الذهن، فله نحوان من الوجود [١]؛ لأن تعدّد اللحاظ يوجب تعدّد وجود الملحوظ، حتى لو كان اللاحظ واحداً، فهنا، تارة يلحظ مفهوم الابتداء بما هو هو و بقطع النظر عن المبتدئ و المبتدأ منه، أي: نلحظ الصورة
الذهنية للابتداء بما هي صورة ذهنية، كالنظر إلى المرآة بما هي مرآة لا بما هي
[١] لحاظ الشيء يعني تصوره، سواء أ كان الملحوظ أمراً خارجياً كلحاظ وجود الابتداء خارجاً، يعني: أن نتصور في ذهننا أن الابتداء قد تحقق في الخارج، فهو في هذه الحالة دائماً متقوّم بطرفين أم كان الملحوظ أمراً ذهنياً كلحاظ مفهوم الابتداء الذي هو الصورة الذهنية للابتداء فهنا سوف يتعدّد وجود الملحوظ بتعدد اللحاظ حتى لو كان اللاحظ واحداً، بل الشيء الواحد إذا لوحظ بلحاظين من لاحظ واحد فسوف يتعدّد وجوده بتعدد اللحاظ، و ذلك اللحاظ يصيّر المعنى جزئياً فيباينه لو لوحظ بلحاظ آخر حتى لو كان اللاحظ واحداً.