البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٤٦ - الفوارق المترتبة على الأقوال في نوع التقابل بين الإطلاق و التقييد
للمولى أن يلحظ العالم بالحكم و يجعل الحكم في حقه خاصة، لما قيل من استلزام ذلك للدور المستحيل، فهنا لا يتحقق التقييد كما هو واضح؛ لعدم لحاظ القيد و هو العلم، بل لعدم إمكان لحاظه أصلًا كما قيل، و لا يتحقق الإطلاق أيضاً؛ لأنه عبارة عن عدم لحاظ القيد في مورد يمكن معه لحاظه، و الحال أن هذا المورد لا يمكن معه لحاظ القيد، فلا إطلاق و لا تقييد إذن، و هذا ما يسمى بحالة الإهمال كما قلنا قبل قليل.
و ثانياً: إنّ إمكان الإطلاق في مورد ما، يرتبط بإمكان التقييد في ذلك المورد على القول بأن التقابل بينها من تقابل الملكة و العدم، فيمكن الإطلاق حيث يمكن التقييد، و إلّا فلو لم يمكن التقييد، لم يمكن الإطلاق.
و أما على القول بأن التقابل بينهما من تقابل التناقض، فإمكان أحدهما لا يرتبط بإمكان الآخر، بل أن استحالة أحدهما تقتضي كون الثاني ضرورياً؛ و ذلك لأنّه لو لم يكن كذلك لأدى إلى ارتفاع النقيضين و هو مستحيل، وعليه، فلو استحال التقييد في مورد، كان الإطلاق ضرورياً، إذ لا ثالث لهما كما مر توضيحه في الفارق الأوّل.
و أما على القول بأن التقابل بينهما من تقابل التضاد، فهذا بطبيعته لا يقتضي ما كان يقتضيه القول الأوّل، من أن إمكان الإطلاق مرتبط بإمكان التقييد، و لا ما يقتضيه القول الثاني من أن استحالة التقييد توجب كون الإطلاق ضرورياً؛ و ذلك لأن الضدين يمكن ارتفاعهما معاً عن شيء بحيث لا يثبت الإطلاق و لا التقييد، و يمكن أن يوجد أحدها دون الآخر، فقد يوجد الإطلاق في مورد يمكن معه التقييد، و قد يوجد في مورد لا يمكن معه التقييد، و هذا يعنى نفي الضرورتين، أي: ضرورة ثبوت الإطلاق، و ضرورة امتناعه، بل يكون إمكان الإطلاق و عدمه حيادياً تجاه ذلك، أمكن التقييد أو لم يمكن.
و مثال ذلك ما قيل: من أن تقييد الحكم بالعلم به مستحيل؛ فإنه على القول بأن التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل التناقض، فسوف يكون الإطلاق ضروري الثبوت؛ لفرض عدم إمكان التقييد و استحالة ارتفاع النقيضين [١].
[١] لحاظ الطبيعة مطلقة في حالة عدم إمكان لحاظها مقيدة لا يعني أن مراد المولى مطلق؛ لعدم الملازمة بين كيفية لحاظ الطبيعة و بين ما هو المراد منها؛ فإنه ربما يكون مراده مطلقاً، و ربما يكون مراده مقيداً، و لكنه من باب ضيق الخناق قد لاحظها مطلقة، لفرض عدم إمكان لحاظها مقيدة، و في مثالنا المتقدم، قد يكون مراده تخصيص الحكم بالعالم به و إن كان قد لاحظه مطلقاً. و هنا، لا يمكن القول بأنه لو كان مراده مقيداً بفرض العلم فلما ذا لاحظ الحكم مطلقاً؟ فإن الجواب أصبح واضحاً؛ و ذلك لأنه لا يمكن له بحسب الفرض أن يلحظها مقيدة.
و بعبارة أخرى أكثر تفصيلًا: إنه يوجد لدينا ثلاثة أمور:
الأول: عالم المراد الجدي للمتكلم.
الثاني: عالم اللحاظ و كيفية ملاحظة الطبيعة.
الثالث: عالم الدلالة و الكلام.
ففي الحالة الطبيعية التي يمكن معها الإطلاق و التقييد بحسب عالم اللحاظ، نستكشف من خلال عدم ذكر القيد في عالم الدلالة و الكلام أن المتكلم قد لاحظ الطبيعة من دون أن يلحظ معها شيئاً آخر و قيداً زائداً، و هذا هو الإطلاق بحسب عالم اللحاظ، ثم من خلال ذلك نستكشف أن المراد الجدي للمتكلم هو المطلق لا المقيّد، فعالم اللحاظ بالقياس إلى عالم المراد الجدي يعتبر مقام الإثبات؛ لأنه من خلاله تم إثبات المراد الجدي، و إن كان بالقياس إلى عالم الدلالة و الكلام يعتبر مقام الثبوت.
و أما بالنسبة للحالة التي لا يمكن معها التقييد بحسب عالم اللحاظ، فسوف يكون الإطلاق بحسب هذا العالم أمراً ضرورياً؛ بناءً على القول بأن التقابل بينهما من تقابل التناقض، ففي مثل هذه الحالة لا يمكن استكشاف أن المراد الجدي للمتكلم هو المطلق دون المقيد؛ لأن لحاظ الطبيعة مطلقة بحسب هذا الفرض إنما هو لأجل عدم إمكان لحاظها مقيدة، فلربما كان المراد الجدي للمتكلم هو المقيّد لا المطلق، و لا طريق- في مثل هذه الحالة- لاستكشاف كون مراده الجدي هو المطلق و ليس المقيد.