البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٨٣ - دليل هذا القول
القول الأول: دلالة الأمر على الوجوب بالوضع
ذهب المشهور إلى أن دلالة الأمر مادة و صيغة على الطلب الوجوبي إنما تكون بالوضع [١]، فيكون الوجوب مدلولًا وضعياً تصورياً لمادة الأمر و صيغته، بمعنى أن لفظ الأمر موضوع للطلب الناشئ من داع لزومي خاصة لا مطلق الطلب، و صيغة الأمر موضوعة للنسبة الإرسالية الناشئة من داع لزومي أيضاً.
دليل هذا القول:
و استدلّ لهذا القول بأن المتبادر من الأمر مادة و صيغة هو الطلب الوجوبي، و التبادر علامة على الحقيقة و الوضع، و لا منشأ لهذا التبادر إلّا كون لفظ الأمر و صيغته موضوعين للطلب الناشئ من داع لزومي، أي: الوجوب [٢].
[١] اختاره صاحب القوانين: ص ٧٩ و ص ٨١، و فصّل صاحب الفصول بين مادة الأمر و صيغته، فذهب إلى أنّ الأولى حقيقة في الوجوب، و الثانية حقيقة في الطلب مطلقاً، و يستفاد منها الوجوب بالإطلاق. راجع الفصول الغرويّة: ص ٦٣ و ٦٤.
و القول بأن دلالة الأمر على الوجوب بالوضع هو المشهور، قال السيّد الخوئي (قدس سره) في المحاضرات: ج ٢، ص ١٣: «المعروف و المشهور بين الأصحاب قديماً و حديثاً هو القول الأول- أي بالوضع-»، و لكن السيّد الخوئي ذهب إلى أن دلالته على الوجوب بحكم العقل
[٢] و استدلّ له أيضاً بالآيات و الأخبار التي ورد فيها لفظ الأمر من قبيل قوله تعالى في سورة النور آية ٦٣ (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) حيث إنه رتّب وجوب الحذر على مخالفة الأمر، و هذا لا يتم إلّا إذا كان المراد من الأمر الوجوب، و إلّا لو كان المراد به الاستحباب فلا معنى لوجوب الحذر، لأن مخالفة الأمر الاستحبابي لا توجب الحذر كما هو واضح.
و كذلك ما ورد في قوله (ص): «لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» فجعل الأمر بالسواك مشقة على الأمة و لأجل ذلك لم يأمر به، و من المعلوم أن الأمر الاستحبابي لا يستلزم المشقة، لجواز مخالفته من دون أن يترتب على مخالفته عقاب، و هذا يقتضي أن يكون المراد من الأمر خصوص الوجوب؛ لأنه هو الذي توجب مخالفته العقاب، فيكون الأمر به بنحو الوجوب مستلزماً للمشقة.
و أجيب عنه:
بأن إرادة الوجوب من الأمر شيء، و كونه موضوعاً للوجوب شيء آخر، و في المقام الأمر استعمل و أريد منه الوجوب و الاستعمال أعم من الحقيقة.