البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٨٢ - الأقوال في المسألة
الثاني: في تحديد دلالة كل منهما و بيان منشأ تلك الدلالة
قوله (قدس سره) ص ١١٠: «و مما اتفق عليه المحصلون من الأصوليين ... الخ».
بعد أن انتهينا في الأمر الأول من أن الأمر مادة و هيئة يدلّ على الطلب، يقع الكلام الآن في نقطتين:
الأولى: في أن مادة الأمر و صيغته هل تدلان على الطلب الوجوبي خاصة؟ أو الطلب الاستحبابي خاصة؟ أو الطلب مطلقاً الأعم من الوجوب و الاستحباب؟
فإن قلنا: إنهما يدلان على الطلب الوجوبي خاصة، فإرادة الطلب الاستحبابي منهما يحتاج إلى قرينة، و مع عدمها يحملان على الوجوب، و إن قلنا: إنهما يدلان على الطلب الاستحبابي خاصة، فإرادة الوجوب منهما يحتاج إلى قرينة، و مع عدمها يحملان على الاستحباب، و إن قلنا: إنهما يدلان على مطلق الطلب، فكل من الوجوب و الاستحباب يحتاج إلى قرينة تعيّنه، و مع عدمها، فلا يدلان إلّا على الطلب، الأعم من الوجوبي و الاستحبابي، و يكون مجملًا من حيث الوجوب و الاستحباب.
و مما اتفق عليه المحصلون من الأصوليين تقريباً، هو أن الأمر مادةً و هيئةً يدلّ على الطلب الوجوبي [١]؛ و ذلك بحكم التبادر، و بناء العرف العام على كون الصادر من المولى بلسان الأمر مادة أو هيئة وجوباً، و هذا التبادر و الظهور حجّة ما لم تقم قرينة على خلافه.
الثانية: بعد أن تبيّن أن الأمر مادة و هيئته يدل على الطلب الوجوبي بحكم التبادر، يقع الكلام الآن في تفسير كيفية هذه الدلالة و تحديد منشئها.
و بعبارة أخرى: تحديد منشأ هذا التبادر، و تشخيص السبب في تبادر الوجوب من مادة الأمر و صيغته.
الأقوال في المسألة:
و قد اختلف الأصوليون في توجيه هذه الدلالة و تفسيرها على أقوال ثلاثة [٢]:
[١] قال المحقق النائيني في فوائد الأصول ج ١، ص ١٣٤: «إنما الإشكال في طريق استفادة الوجوب من الصيغة بعد ما كان استفادة الوجوب منها ممّا لا إشكال فيه»
[٢] فإن قيل: أ لستُم تقولون بأن التبادر علامة على الحقيقة و الوضع، و أنه إذا تبادر الحيوان المفترس من لفظ «الأسد»، فهذا التبادر دليل على كون لفظ الأسد موضوعاً للحيوان المفترس، و في المقام، إذا كان الأصوليون قد اتفقوا على أن المتبادر من مادة الأمر و صيغته هو الطلب الوجوبي، فهذا يعني إنهما موضوعان للطلب الوجوبي، فيكون منشأ التبادر حينئذ هو الوضع، فلما ذا هذا الاختلاف إذن؟!
كان الجواب: إنّ كون التبادر علامة على الحقيقة أو الوضع، إنما هو فيما إذا لم يكن هناك منشأ آخر غير الوضع يمكن أن يفسّر به ذلك التبادر، و إلّا، فمع وجود مناشئ أخرى غير الوضع يمكن أن يفسّر بها ذلك، فلا يكون التبادر علامة و دليلًا على الوضع، و في المقام، يدّعى وجود مناشئ أخرى غير الوضع يمكن أن تكون سبباً لذلك التبادر المدّعى، و سوف يتضح ذلك من خلال طرح الأقوال في المسألة.