البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٨١ - كيفية دلالة صيغة الأمر على الطلب التشريعي
و تحقيقها، فالإرسال إذن سعي نحو المقصود من قبل المرسِل، فيُنتزع منه مفهوم الطلب، فتكون هيئة «افعل» دالّة على الطلب بالدلالة التصوّرية، و لكن، ليس مباشرة و بدون واسطة كما كان الحال في دلالة مادة الأمر عليه، بل تبعاً لدلالتها تصوّراً أوّلًا على النسبة الإرسالية التي هي منشأ انتزاع الطلب كما بيّنا ذلك؛ حيث إن الطلب مفهوم ينتزع من الإرسال و النسبة الإرسالية، و الدال على شيء، دال على ما ينتزع منه [١].
كما أن الصيغة نفسها- أي صيغة افعل- بلحاظ صدورها بداعي تحصيل المقصود، تكون مصداقاً حقيقياً للطلب؛ لأنها سعي نحو المقصود، حيث إنها تكشف عن إرادة المولى و تعلّق غرضه بالصلاة- مثلًا- في قوله «أقم الصلاة»، فالمولى باعتبار تعلّق إرادته بالصلاة، يقول: «أقم الصلاة»، فيسعى نحو تحقيق مقصوده و هو «الصلاة» بهذا القول، فيكون قوله: «أقم الصلاة» مصداقاً حقيقياً للطلب؛ لأنه يكشف عن الإرادة، فيكون سعياً نحو المقصود كما هو واضح [٢].
فاتضح ممّا تقدّم أن المادة تدلّ على الطلب بنحو المعنى الاسمي، و الهيئة تدلّ عليه أيضاً و لكن بنحو المعنى الحرفي، أي النسبة الإرسالية التي يُنتزع منها مفهوم الطلب.
[١] بمعنى أن هيئة الأمر ك- «افعل»، تدل بالدلالة التصوّرية المطابقيّة على النسبة الإرسالية، و لها دلالة تصوّرية التزامية في طول الدلالة الأولى و هي الإرسال، بحيث ينتقش في الذهن معنى الإرسال حتى لو سمعنا هذه الصيغة من جدار مثلًا
[٢] لا يُقال: إنّه إذا كانت الصيغة بنفسها كاشفة عن الإرادة، فكيف تكون بنفسها مصداقاً للطلب؛ لأنه حينئذ سوف تكون الصيغة هي الدال على الطلب، لا أنها من مصاديقه؛ ضرورة أن الطلب على ذلك يكون مدلولًا لها.
فإنه يُقال: إنّ هذا يختلف باختلاف المبنى في أن الإرادة عين الطلب أو هي غير الطلب، فإن قلنا: إن الإرادة عين الطلب، كانت الصيغة كاشفة عنهُ و ليست مصداقاً له، و إن أنكرنا ذلك و قلنا: إنّ الإرادة غير الطلب؛ باعتبار أن الشوق النفساني بمجرده لا يصدق عليه أنهُ طلب، و إنما الطلب هو السعي نحو المقصود، فحينئذ سوف تكون صيغة (افعل) بنفسها مصداقاً حقيقياً للطلب؛ لأنها باعتبار كشفها عن الإرادة، تكون سعياً نحو المقصود.