البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٣ - تحديد المعنى الذي وضعت له هيئة الجملة
يكون تصور اللفظ سبباً لتصور المعنى و خطوره في الذهن، فيكون الوضع بمقتضى ذلك منشأ للدلالة التصورية فحسب، أما الدلالة التصديقية، فمنشؤها الظهور الحالي و السياقي لا غير [١]؛ و ذلك لدخالة قصد المتكلم المستكشف من ظاهر حاله في انعقاد تلك الدلالة، كما وضحنا ذلك في النقطة الأولى.
و ذهب السيد الخوئي (قدس سره) إلى أن الوضع تعهد من الواضع بأن لا يأتي باللفظ الخاص إلا إذا قصد تفهيم المعنى الخاص، و مقتضى ذلك كون الدلالة الوضعية تصديقية؛ لأن الدلالة التصديقية- كما تقدم- منوطة بقصد المتكلم، و المفروض أنه قد أخذ قيداً في العلقة الوضعية بين اللفظ و المعنى، فيكون الوضع- بناءً على ذلك- منشأً للدلالة التصديقية [٢].
تحديد المعنى الذي وضعت له هيئة الجملة:
و بعد هذه المقدمة، نعطف الكلام إلى ما أراد السيد الشهيد (قدس سره) بيانه هنا، و هو: إن هيئة الجملة موضوعة للنسبة أيضاً كما هو الحال في الحروف، فكما أن الحروف موضوعة للنسبة على أنحائها، فكذلك هيئات الجمل، فمدلول هيئة الجملة هو النسبة، سواء أ كانت هيئة الجملة الناقصة، كقولنا: «المفيد العالم»؛ حيث إنها جملة ناقصة لا يصح السكوت عليها، أم كانت هيئة الجملة التامة، كقولنا: «المفيد عالم»، فهي جملة
[١] لعل قائل يقول: إذا كان الأمر كذلك، فلما ذا قلتم في تعريف الدلالة التصديقية أنها دلالة الكلام؟
قلنا: إن الكلام في تحديد دلالة الكلام على معنى معيّن شيء، و الكلام عن بيان السبب الذي لأجله كان للكلام تلك الدلالة شيء آخر، فالكلام هو الذي يدل على المعنى و من خلاله نستكشف المعنى الذي يريده المتكلم، و الدلالة سواء كانت تصورية أم تصديقية فهي دلالة للكلام ليس إلّا، غاية الأمر، إن كان المنشأ الذي لأجله كان للكلام هذه الدلالة أو تلك هو الوضع، سميت الدلالة وضعية، و إن كان هو الظهور الحالي للمتكلم، سميت الدلالة تصديقية
[٢] قال السيّد الخوئي في دراسات في علم الأصول ج ١ ص ٣١: «و الصحيح: إن الوضع أمر واقعي محض، غايته من قبيل الأفعال النفسانية، فهو فعل النفس، و هو التعهد و الالتزام بذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى، نظير ما لو تعهد المولى و قال لخادمه: بأني متى ما رفعت العمامة من رأسي فأنا أريد الشاي، ففي الألفاظ أيضاً كذلك، لأجل تسهيل الإفادة و الاستفادة، يلتزم الواضع و يتعهد بذكر اللفظ الخارجي عند إرادة المعنى المخصوص، و هذا هو حقيقة الوضع».