البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٢ - الموضع الثاني في منشأ هذه الدلالات
قصد الإخطار و الاستعمال في الحالتين.
الثالثة: الدلالة التصديقية الثانية
و هي عبارة عن دلالة الكلام على كون المتكلم مريداً جداً للمعنى الذي قصد إخطاره في ذهن السامع، و يعبر عنها بالإرادة الجدية، و يشترط فيها أن يكون المتكلم عاقلًا، ملتفتاً، جاداً، قاصداً للمعنى، و لذا لا تنعقد هذه الدلالة من المتكلم الهازل، كما لو قال هزلًا: «جاء الأسد»، فليس لكلامه- حينئذ- إرادة جدية للإخبار و الحكاية عن مجيء الأسد، نعم، لكلامه دلالة تصديقيّة أولى؛ لأنه قاصد لإخطار هذا المعنى في ذهن السامع.
و من خلال ذلك، يتضح أنه ليس من الضروري أن يكون لكل كلام صادر من أي
متكلم هذه الدلالات الثلاث المتقدمة جميعاً [١]، فقد يقتصر الكلام على الدلالة التصورية كما لو صدر من اصطكاك حجرين أو من نائم، و قد يكون له معها دلالة تصديقية أولى فقط، كما لو صدر من متكلم عاقل و لكنَّهُ هازل غير جاد، و قد يكون له معهما دلالة تصديقية ثانية، كما لو صدر الكلام من متكلم عاقل، ملتفت، جاد، نعم، إذا كان للكلام دلالة تصديقية ثانية، فهذا يعني أن له دلالة تصديقية أولى، و دلالة تصورية؛ لأن الدلالة التصديقية الثانية في طول الدلالة التصديقية الأولى، و هما في طول الدلالة التصورية، و لا يمكن أن يكون لكلام ما دلالة تصديقية ثانية من دون أن يكون له الدلالتان التصورية و التصديقية الأولى.
الموضع الثاني: في منشأ هذه الدلالات
وقع الخلاف في أن الوضع هل هو منشأ للدلالة التصورية؟ أو هو منشأ للدلالة التصديقية؟ و هذا الخلاف مترتب على الخلاف في تفسير حقيقة الوضع، فقد ذهب المشهور إلى أن الوضع هو عبارة عن تخصيص اللفظ بالمعنى، و ذهب السيد الشهيد (قدس سره) إلى أنه عملية قرن أكيد بين اللفظ و المعنى، و على كلا هذين التفسيرين،
[١] و ليس من الدقة أن يقال: «إن لكل كلام صادر من أي متكلم ثلاث دلالات»؛ لأنه يختلف بحسب من صدر منه الكلام، و بحسب ظاهر حاله، و قصده، كما وضّحنا ذلك في المتن.