البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٩ - الثاني يلزم من ذلك صحة استعمال أحدهما مكان الآخر و هو باطل
حتى يصيّره ذهنياً، و بالتالي عدم إمكان انطباقه على الخارج، الأمر الذي يعني عدم إمكان امتثاله و بالتالي عدم صحة تعلق التكليف به، و إنما يؤخذ نحو اللحاظ و كونه لحاظاً آلياً أو استقلالياً، قيداً في الوضع و نفس العلقة بين اللفظ و المعنى، المجعولة من قبل الواضع، بمعنى: أن الواضع عند ما جعل اللفظ للمعنى، و جعل العلقة بينهما، إنما جعل العلقة بين «من» و مفهوم الابتداء إذا لوحظ باللحاظ الآلي، و جعل علقة أخرى بين لفظ «ابتداء» و مفهوم الابتداء إذا لوحظ باللحاظ الاستقلالي.
و بعبارة أخرى: إنَّ الواضع قد وضع «من» للابتداء بشرط أن يلحظ باللحاظ الآلي، و وضع «ابتداء» لمفهوم الابتداء بشرط أن يلحظ باللحاظ الاستقلالي [١]، فلو استعمل الحرف «من» في الابتداء الملحوظ باللحاظ الاستقلالي، لكان هذا من الاستعمال في معنى بلا وضع؛ لأن الواضع لم يضع الحرف لمفهوم الابتداء مطلقاً، الأعم من الملحوظ منه باللحاظ الآلي و الملحوظ منه باللحاظ الاستقلالي، بل وضعهُ لهُ بشرط أن يلحظ باللحاظ الآلي، و ليس هذا من الاستعمال في غير ما وضع له من معنى، بل هو استعمال في المعنى و لكن بلا وضع.
الثاني: يلزم من ذلك صحة استعمال أحدهما مكان الآخر و هو باطل
أما الاعتراض الثاني، فهو: إنه إذا كان ذات المعنى في الحرف و الاسم المناظر له واحداً، فهذا يقتضي صحّة استعمال أحد اللفظين- أعني «من» و «ابتداء»- مكان
[١] و قد اعترض المحقق النائيني على ذلك كما جاء في فوائد الأصول ج ١ ص ٤٩ بما نصه:) إن ذلك مبنى على أن يكون للألفاظ واضع خاص حتى يتأتى منه اشتراط ذلك، و قد تقدم امتناع ذلك في أول المبحث، مع انه لو فرض ثبوت واضع خاص فمن المقطوع انه لم يشترط ذلك في مقام الوضع، لأن ذلك خارج عن وظيفة الواضع، إذ وظيفة الواضع إنما هو تعيين مداليل الألفاظ، لا تعيين تكليف على المستعملين، لأنه لا ربط للاستعمال بالواضع. و ثانيا: هب أن الواضع اشترط ذلك، و فرض إن هذا الشرط مما يلزم العمل به، فما الذي يلزم من مخالفة الشرط باستعمال الحروف مقام الأسماء، إذ غاية ما يلزم هو مخالفة الواضع، و هذا لا يوجب كون الاستعمال غلطا، إذ لا يقصر عن المجاز، بل ينبغي أن يكون هذا أولى من المجاز، لأن المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له، و هذا استعمال في ما وضع له، غايته انه على غير جهة ما وضع له، و هذا لا يوجب استهجان الاستعمال، مع انه من الواضح استهجان استعمال كلمة (من) في مقام كلمة (الابتداء) و (إلى) في مقام (الانتهاء) و (في) في مقام (الظرفية) (.