البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٩٢ - البرهان الأول لزوم محذور اللغوية
المتكلم كان بامكانه من الأول أن يقول: «أكرم العالم» من دون حاجة إلى ادخال لفظ «كل» على لفظ «عالم»، و بهذا يكون قد أوصل مراده إلى المخاطب.
و أما لزومه للغوية الوضع؛ فلما تقدم من أن الحكمة من الوضع هي الاستعمال، فمع عدم وجود فائدة من الاستعمال، فلا فائدة من الوضع كما هو واضح [١].
إن قلت: الفائدة من استعمال «كل» هو التأكيد؛ بحيث تكون الدلالة على الاستيعاب و الشمول عبارة عن مجموع دالين، أحدهما قرينة الحكمة، و الثاني أداة العموم، فيتأكد الاستيعاب و الشمول، و معه لا يلزم لغوية الاستعمال و لا الوضع؛ فإنّ إفادة التأكيد مما يحقق الغاية و الحكمة من الوضع.
كان الجواب: إننا نسلم بأن التأكيد لو أمكن تصويره يكون كافياً لدفع محذور اللغوية في الاستعمال و الوضع، و لكن التأكيد في المقام غير معقول؛ و ذلك لأن التأكيد يعقل في أمرين يكون أحدهما في عرض الآخر، كما لو قال المولى: «أكرم العالم»، و قال- أيضاً-: «أكرم الفقير»، و اتفق أن زيداً- مثلًا- عالم و فقير في نفس الوقت؛ فلا شك هنا في تأكد وجوب اكرامه؛ لأن كلًا من هذين العنوانين- العالم و الفقير- ثابت في عرض ثبوت الآخر. و أما إذا كان بين الأمرين طولية بحيث لا ثبوت لأحدهما إلّا في فرض ثبوت الآخر، فلا يعقل التأكيد؛ لعدم ثبوتهما معاً في آن واحد [٢].
و الدال على الاستيعاب و الشمول في المقام- و بحسب هذا الفرض- هو من الثاني لا من الأول؛ و ذلك لأن دلالة أداة العموم على الاستيعاب و الشمول في طول جريان
[١] هذا ما ورد في كلمات السيد الخوئي، و قد طرحه كإشكال على القول بأن أداة العموم بحاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة في المدخول لكي تدل على الاستيعاب و الشمول لكل أفراد مدخولها. راجع: محاضرات في أصول الفقه، ج ٥، ص ١٥٩
[٢] الطولية بين شيئين تارة تتصوّر بنحو يكون أحد الشيئين مترتباً في وجوده على وجود الشيء الآخر، كما في استفادة العموم من) كل (بحسب الفرض الذي نحن فيه؛ فإن استفادة العموم منها في طول جريان مقدمات الحكمة في مدخولها، و تعيين المراد منه، و أخرى بنحو يكون أحدهما مترتباً في وجوده على عدم وجود الآخر، كما هو الحال في الضدين؛ فإن وجود ضد معيّن مترتب على عدم وجود ضدّه الآخر.