البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١٦ - ثانياً بناءً على الوجه الثاني
الشرعيّة، و هذا تقييد زائد يحتاج إلى قرينة إضافيّة، و مجرد كون الشارع في مقام التشريع لا في مقام نقل أنباء خارجية، لا يقتضي أكثر من تقييد المخبَر عنه بالشخص الذي يجري في عمله على وفق الموازين الشرعية.
و بعبارة أخرى: أن تقييد المخبر عنه بالشخص الذي يجري في عمله على وفق الموازين الشرعيّة الذي دلّت علية القرينة، إنما هو لأجل أن يكون الإخبار صادقاً؛ لأن الشخص الذي يطبّق عمله على وفق الموازين الشرعيّة لا بدّ له من أن يأتي بالواجبات، و ليس من الضروري أن يأتي بالمستحبات أيضاً، فلو افترض أن الفعل الذي صدر من ذلك الشخص المخبَر عنه من الأفعال المستحبة لا الواجبة، فحينئذ لا يكفي في صدق الإخبار عنه فرضه ممّن يطبّق عمله على وفق الموازين الشرعيّة فحسب؛ لأن من يأتي بالواجبات فقط دون المستحبات يصدق عليه أيضاً انه ممّن يطبّق عمله على وفق الموازين الشرعيّة، فلا بدّ إذن لكي يكون الإخبار عنه صادقاً، من فرض انه ممّن يطبّقه على أفضل الموازين الشرعيّة، و هذا تقييد زائد لا قرينة عليه.
ثانياً: بناءً على الوجه الثاني
و أما بناءً على الوجه الثاني، فالجملة الخبريّة المستعملة في مقام الطلب تدلّ على الوجوب أيضاً؛ لأن العناية المفترضة في هذا الوجه هي عبارة عن الإخبار عن الملزوم بلسان اللازم، أي: الإخبار بوقوع النسبة الصدورية خارجاً و إرادة الملزوم لها، الذي هو عبارة عن طلب المولى لتلك النسبة، فالمصحّح للإخبار عن الملزوم ببيان اللازم هو عبارة عن الملازمة بين النسبة الصدورية و الطلب، و إلّا فمع عدم الملازمة لا يصح الإخبار بالنسبة الصدوريّة عن الطلب، كما انه لو لا الملازمة بين كرم زيد و كثرة رماده لما صحّ الإخبار عن كرمه بكونه كثير الرماد، فالكناية و الإخبار عن الملزوم ببيان اللازم- كما هو مقتضى هذا الوجه- تقتضي وجود ملازمة بين الطلب و النسبة الصدورية، بمعنى انه كلَّما كان الفعل مطلوباً، فلا بُدّ و ان يصدر من المكلّف خارجاً، و هذه الملازمة إنما تكون بين الطلب الوجوبي و النسبة الصدورية [١]؛ إذ مطلق
[١] لا يُقال: إننا نعلم بالوجدان بعدم صدور كثير من الأفعال الواجبة من بعض المكلّفين، كالصلاة و الصيام، و غيرهما، مع أنها مطلوبة من قبل الشارع قطعاً؛ إذ ما أكثر الذين يعصون أوامر الله سبحانه و تعالى، و هذا يكشف عن عدم وجود أية ملازمة بين طلب الفعل و صدوره حتى لو كان طلباً لزومياً، فضلًا عن كونه استحبابياً.
فإنه يقال: إنّ الملازمة بين الطلب الوجوبي و النسبة الصدوريّة المصحّحة للإخبار عن الملزوم ببيان اللازم، لا يُدّعى وجودها مطلقاً و بلحاظ أي شخص، بل هي بلحاظ الشخص الذي يلتزم بأوامر الله و نواهيه، بحيث لا يحول بينه و بين صدور الفعل الواجب منه خارجاً إلّا إرادته له، فلو كان هناك فعل مطلوب للمولى قد علم به المكلّف، فلا بدَّ مِنْ أن يصدر من مثل هذا المكلّف قطعاً، و هذا هو المراد من الملازمة بين الطلب الوجوبي و النسبة الصدوريّة.