البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١٤ - المختار من هذه الوجوه
شأنه ذلك، و عرفنا أيضاً أن إفادة الطلب بها لا بدّ له من عناية، و هي إمّا تقييد الشخص المخبر عنه بمن كان يجري في عمله على وفق الموازين الشرعية، أو عبارة عن الكناية و الإخبار عن الملزوم بلسان الإخبار عن اللازم، أو عناية المجاز، كما هو مقتضى الوجوه الثلاثة المتقدّمة في تصوير هذه العناية، فعليه، إن كانت هناك قرينة معيّنة لأحد هذه الوجوه، أخذ بالوجه الذي دلّت عليه القرينة، و مع عدمها، يؤخذ بالوجه الذي لا يتطلّب عناية زائدة، و يكون موافقاً لأصل ظهور الجملة الخبريّة في الإخبار، و حينئذٍ، يكون أقرب هذه الوجوه هو الوجه الأول؛ لأنه يحافظ على ظهور أصل الجملة الخبريّة في الإخبار، و يكون المخبر عنه هو نفس النسبة الصدوريّة المدلولة تصوّراً للجملة، غايته تقييد المخبر عنه بالشخص الذي كان يجري في عمله على وفق الموازين الشرعيّة، و هذا التقييد تتكفل به نفس القرينة المتصلة الحالية، أي: ظهور حال الشارع بأنه في مقام التشريع لا في مقام نقل أنباء خارجيّة، فنفس القرينة الدالّة على إرادة الطلب و الإنشاء من الجملة الخبريّة تدلّ على هذه العناية، و هذا التقييد ليس بحاجة إلى افتراض قرينة أخرى، بخلاف الوجهين الآخرين؛ فإن الأخذ بأحدهما يقتضي رفع اليد عن ظهور الجملة الخبرية في الإخبار؛ لأن ظاهر الجملة الخبريّة أن يكون المخبر عنه نفس النسبة الصدوريّة المدلولة تصوّراً؛ وفقاً لأصالة التطابق بين الدلالة التصوّرية و الدلالة التصديقيّة، مع أن الوجه الثالث يدّعي أنها مستعملة في النسبة الإرسالية ابتداءً بعناية المجاز، و الوجه الثاني يدّعي أن المخبر عنه ليس نفس النسبة الصدوريّة، بل أمر ملزوم لها، فكل من الوجهين- الثاني و الثالث- يخالف الظهور، و لا تُرفع اليد عن أصل هذا الظهور إلّا بقرينة على خلافه، و المفروض عدمها [١].
[١] فإن قلت: إنّ مخالفة ظهور الجملة الخبريّة المستعملة في مقام الطلب أمرٌ لا بدَّ منه؛ لأنها لم يُرد بها الإخبار، و إنما أريد بها الطلب، و هذا الأمر حاصل في الوجه الأول أيضاً؛ لأن تقييد إطلاق المخبر عنه بالشخص الذي يجري على وفق الموازين الشرعيّة، مخالف لظهورها في الإطلاق.
كان الجواب: إنّ مخالفة الظهور و إن كان أمراً لا بدّ منه؛ و ذلك لأجل القرينة، و هي كون الشارع في مقام التشريع لا في مقام نقل أنباء خارجيّة، و لكن ترفع اليد عن هذا الظهور بمقدار القرينة، و هذه القرينة بنفسها قرينة على تقييد إطلاق المخبر عنه مع المحافظة على أصل ظهور الجملة الخبريّة في الإخبار، و قال السيّد الشهيد في بيان وجه القرينة على الوجه الأول في بحوث في علم الأصول: ج ٢، ص ٥٧ «و كلّما دار الأمر بين رفع اليد عن أصل ظهور الجملة أو تقييد موضوعها، قدّم الثاني على الأول ما لم تكن القرينة بنفسها مشخّصة لنكتة العناية».
و في المقام يدور الأمر بين رفع اليد عن أصل ظهور الجملة الخبرية في الإخبار و كون المخبر عنه هو نفس النسبة الصدورية المدلولة لها تصوّراً، كما هو مقتضى الوجه الثاني و الثالث، و بين المحافظة على ذلك الظهور تصوّراً و تصديقاً و تقييد موضوع ذلك الظهور بالشخص الذي يجري في عمله على وفق الموازين الشرعيّة، كما هو مقتضى الوجه الأول الذي مرجعه إلى رفع اليد عن ظهور الموضوع في الإطلاق، ففي هذه الحالة، نرفع اليد عن ظهور الموضوع في الإطلاق؛ لوجود قرينة على ذلك و هي نفس القرينة الدالة على الطلب، و لا نرفع اليد عن أصل الظهور؛ لعدم وجود قرينة على ذلك، و كونه في مقام التشريع لا نقل أنباء خارجيّة، لا يصلح لأن يكون قرينة على رفع اليد عن أصل ظهور الجملة الخبرية في الإخبار، ما دامت القرينة الموجودة صالحة لإثبات العناية المدّعاة في الوجه الأول.