بحوث في القواعد الفقهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥٢٣ - الوجه السابع دفع الأفسد بالفاسد
بين الأمرين، فإنّها لا تتبنّى رؤية اليأس كما في النظرية الثانية كما أنّها لا تتبنّى رؤية الإستقلال التفويضي كما في النظرية الأولى وهذا معنى لزوم تقيد الإرادة الإختيارية في ظل دائرة التشريع والتكليف وقد قال تعالى:
وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [١] إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [٢].
فالتقيّد بالحدود الإلهية هو سبيل المَخْرَج، ففي ظلّ الصراع السياسي والإقتصادي والفكري والإعتقادي أو المالي والتجاري أو العسكري والأمني، التقيد بالحدود الإلهية وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ [٣] هو السبيل والمخرج من المأزق لا ارتكاب المحظورات كما هو سبيل الإنتهازيين وعصابات المرتزقة السياسية.
ثالثاً: إنّ العقل لمّا يحكم بمؤدّى هذه القاعدة لا بمعنى ارتكاب الفاسد
وايجاد العاقل المختار لذلك الفساد بيده، فإنّ قبح الفساد لا يزول بذريعة المزاحمة وإنّما بمعنى أنّه إذا اضطرّ المختار إلى أحد الخيارين بحيث يكون ما فيهما من الفساد هو من قبل الغير إلّاأنّ أحد الطريقين أكثر من الآخر؛ فالعقل يحكم بأنّ تحمّل أحد الضررين أهون من تحمّل الضرر الآخر فمورد القاعدة ما إذا كان الفساد حاصلًا من قبل الغير واضطرّ المختار إلى سلوك أحد الطريقين أو الموردين الذين فيهما ذلك الفساد.
وأمّا ما ذكره الفقهاء في تولّي ولاية الجائر وغيرها من الموارد من
[١] الطلاق، الآية ٢.
[٢] الأنفال: الآية ٢٩.
[٣] التوبة: ١١٢.