الدارس في تاريخ المدارس - عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي - الصفحة ٢٥٩ - ٦١- المدرسة الظاهرية البرانية
بالجمال في صغره و في كبره، و له غور ذكاء و دهاء و مكر، و أعظم دليل على دهائه مفاوضته لعمه العادل، و كان لا يخليه يوما من شغل قلب و خوف، و كان يصادق ملوك الأطراف و يباطنهم و يلاطفهم؛ و يوهمهم أنه لولاه لكان العادل يقصدهم، و يوهم عمه أنه لولاه لم يطعه أحد من الملوك و لكاشفوه بالشقاق، فكان بهذا التدبير يستولي على الجهتين و يستعبد الفريقين، و يشغل بعضهم ببعض، و كان كريما معطيا، يغمر الملوك بالتحف، و الشعراء و القصاد بالصلات، و تزوج بنت العادل و ماتت معه، ثم تزوج باختها فكان له عرس مشهور، و جاءت منه بالملك العزيز في أول سنة عشر و أظهر السرور بولادته، و بقيت حلب مزينة شهرين، و الناس في الأكل و الشرب و لم يبق صنف من أصناف الناس إلا أفاض عليهم النعم، و وصلهم بالإحسان، و سير إلى المدارس و الخوانق الغنم و الذهب، و أمرهم أن يعملوا الولائم. ثم فعل ذلك مع الأجناد و الغلمان و الخدم، و كان عنده من أولاد أبيه و أولاد أولادهم مائة و خمسة و عشرون نفسا، و زوج الذكور منهم بالإناث، و عقد في يوم واحد و خمسة و عشرين عقدا بينهم، ثم صار كل ليلة يعمل عرسا و يحتفل به. و قال أبو المظفر ابن الجوزي: كان مهيبا، له سياسة و فطنه، و دولة معمورة بالفضلاء و العلماء، مزينة بالملوك و الأمراء، و كان محسنا إلى رعيته و إلى الوافدين عليه، حضر معظم غزوات أبيه، و انضم إليه أخوته و أقاربه، و كان يزور الصالحين و يتفقدهم، و كان يتوقد ذكاء و فطنة. و قال الحافظ أبو عبد اللّه: ذكرت في الحوادث أن الظاهر قدم دمشق و حاصرها غير مرة مع أخيه الأفضل [١] و حاصر منبج و أخذهما، و حاصر حماة، و كان ذا شجاعة و اقدام، و كان سفاكا لدماء الخلق في أول أمره، ثم قصر عن ذلك و أحسن إلى الرعية و كان ذكيا حسن النادرة. قال له الحلّي [٢] الشاعر مرة في المنادمة و هو يعبث به و زاد عليه فقال: انظم؟ يهدد بالهجو فقال السلطان: أنثر؟ و أشار إلى السيف، توفي في جمادى الآخرة عن خمس و أربعين سنة بدمشق، و دفن بالقلعة ثم نقل
[١] شذرات الذهب ٥: ١٠١.
[٢] شذرات الذهب ٥: ١٢٣.