الدارس في تاريخ المدارس - عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي - الصفحة ٦٨ - ١٧- دار الحديث الفاضلية
للمتأخرين، ثم إنه دخل ثغر الاسكندرية في سفينة و أقام بها مدة.
قال عمارة [١] الفقيه اليمني: و من محاسن العادل بن الصالح بن رزيك خروج امره إلى والي الاسكندرية بتسيير القاضي الفاضل إلى الباب و استخدامه في ديوان الجيوش، فإنه غرس منه للدولة بل للملّة شجرة مباركة متزايدة النماء، أصلها ثابت و فرعها في السماء، و قد سمع أبا طاهر السلفي [٢] و أبا محمد العثماني و أبا طاهر ابن عوف و ابا القاسم ابن عساكر الحافظ و عثمان بن سعيد بن فرج العبدي. و كان كثير الصدقات و الصوم و الصلاة، و رده في كل يوم و ليلة ختمة كاملة.
قال المنذري: ركن السلطان صلاح الدين إليه ركونا تاما و تقدم عنده كثيرا، و له آثار جميلة ظاهرة مع ما كان عليه من الإغضاء و الاحتمال، و قال الموفق عبد اللطيف: [٣] كان له غرام بالكتابة و تحصيل الكتب، و كان له العفاف و الدين و التقى، مواظب على اوراده، و لما ملك اسد الدين شيركوه احتاج إلى كاتب فأحضره فأعجبه سمته و تصوره، فلما ملك صلاح الدين استخلصه لنفسه، و حسن اعتقاده فيه، و كان قليل اللذات، كثير الحسنات، دائم التهجد، مشتغلا بالأدب، و كان قليل النحو، لكن له دربة قوية توجب قلة اللحن، و كتب في الإنشاء ما لم يكتبه أحد، و كان متقللا في مطعمه و منكحه و لباسه، يلبس البياض، و لا يبلغ جميع ما عليه من ثياب دينارين، و يركب معه غلام و ركابي، و لا يمكن أحدا ان يصحبه، و يكثر لقي الجنائز و عيادة المرضى و زيارة القبور، و له معروف في السر و العلانية، و كان ضعيف البنية رقيق الصورة، له حدبة يغطيها الطيلسان، و كان فيه سوء خلق يكمد به في نفسه و لا يضرّ أحدا به. و لأصحاب الفضائل عنده نفاق يحسن إليهم و لا يمن عليهم، و لم يكن له انتقام من أعدائه إلا بالإحسان إليهم و الإعراض عنهم. و كان دخله و معلومه في السنة نحو خمسين ألف دينار سوى متاجر الهند
[١] شذرات الذهب ٤: ٢٣٤.
[٢] شذرات الذهب ٤: ٢٥٥.
[٣] شذرات الذهب ٥: ١٣٢.