الدارس في تاريخ المدارس - عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي - الصفحة ٤٨٨ - ١٣٧- المدرسة النورية الكبرى
و بالركنية شهرا، و درّس بالركنية، و كان بيده حصة من التدريس بالزنجبيلية و غير ذلك، و كان بيده جهات كثيرة، و كانت سيرته في القضاء جيدة من جهة الأخذ على القضاء لم يسمع ذلك عنه، إلا أنه لا يتوقف في شيء و يحكم بما دب و درج، و يعسر على المشارع في ذلك المدح في حكمه لعلمه، و عدم الأخذ على القضاء، فهلك بذلك خلق كثير، أقاله اللّه تعالى عثرته و رحمه بموته، و كان لا يهتدي إلى معرفة الصواب؛ بل الغالب سلامة الفطرة، و عليه مأخذ في دينه و مباشرته الأوقاف، و كان يشغل بالجامع و يفتي و هو عين مذهبه بدمشق من مدة، و كان لا يحسن تعليم الطلبة، و لا يتصرف في البحث و غيره، و إنما ينقل ما يحفظه، و يستحضر فوائد غريبة، و لقد بحثت معه مرة من مدة قريبة، فسألته عن تحقيق شيء، فقال: أنتم تنقلون و تتصرفون و نحن ننقل و لا نتصرف. و قال لي في ختم مسلم بالجامع الأموي، و قد نقل شيئا فنازعته أنا و غيري فيه، فقال: لي خمسون سنة أبحث مع العلماء و هم يكذبوني و لا أغضب، و كان عنده كرم نفس و تواضع، و قدر في آخر عمره أنه ولي القضاء من غير سؤال، و كان السبب في ذلك أن القاضي شمس الدين بن العز استعفى، و القاضي شمس الدين الصفدي لم يقبل الولاية بما وضع عليه، فغضب السلطان الأشرف برسباي، و أراد أن يولي ثالثا فذكر له، فولاه القضاء و تدريس القصاعين لا غير، و جاءته الولاية في أثناء شعبان من غير سعي منه و لا طلب، فباشر ذلك دون الخمسة أشهر، و لم يسمع عنه ما يحمد به، بل كان له حرمة لما كان نائبا أكثر منها لما كان مستقلا بالقضاء، و دفن بسفح قاسيون عند والدته بالقرب من زاوية الشيخ عبد الرحمن ابن أبي بكر بن داود (; تعالى)، و كانت جنازته مشهودة، حضرها النائب و الحاجب و الأمراء و القضاة و الفقهاء و خلق من الناس، و صلي عليه بالجامع المظفري، فقدم في الصلاة عليه القاضي الشافعي السراج الحمصي، و أرسل القاضي الشافعي المذكور ولاية للقاضي زين الدين عبد الباسط ناظر جيش مصر بوظائفه يتقرب إلى خاطره بذلك انتهى.
ثم قال في أول سنة أربعين: و قاضي القضاة الحنفي شمس الدين الصفدي